النويري
44
نهاية الأرب في فنون الأدب
المقبول . وأتاه عيد الفطر مبشرا بإدراك آماله في عز مستمر ونصر موصول ، وأسبغ من عطاياه ما أربى على عدد أمواج البحر ، وتعدّدت لدولته المسرّات في هذا الشهر الميمون ، فآخره عيد فطر ، وأوّله عيد نحر . ثم رحل عن دمشق في يوم الثلاثاء ثالث شوال ، ويعزّ عليها أن تفارقه . أو تبعد عن محيّاه الذي أنار مغارب الملك ومشارقه ، أو يسيّر عنها عزمه الذي إن غاب أغنت مهابته ، أو حضر أرهف على العدو بوارقه ، وأغصان رياضها تحسد بنود سناجقه ، وأوراق روحها تودّ لو كانت مكان أعلامه وخوافقه ، وزهرها يتمنى لو كان وشيا [ 45 ] لحلل [ 1 ] جياده ، وأرضها النضرة تكاد تنطوى بين يديه لتكون مراكز السعادة [ 2 ] ، وقصرها الأبلق يتوسّل إليه في أن يتخذه بدل خيامه ، وستائره ليسر مسكنه [ 3 ] فيه ومقامه ، ومصر تبعث إليه مع النسيم رسائل ، وتبذل له في تعجيل عوده وسائل [ 4 ] ، وكرسىّ سلطنتها يودّ لو سعى من شوق إليه ، أو شافهه بالهناء وبالنعمة التي أتمّها الله عليه ، فلبّى دعوتها ولم يطل جفوتها ، وسار إليها سير الأقمار إلى منازل الضّياء والنور ، ووطئ بمواكبه الأرض فظهرت بها من مواطئ جياده أهلَّة ، ومن آثار أخفاف مطيّه بدور ، ووصل ديار مصر المحروسة وقد زفّت عروسا تجلى في أبهى الحلل ، وجمعت أنواع المحاسن ، فلا يقال لشئ منها كمل لو أنّ ذا كمل ، وفضح الدجى إشراقها ، وبهر العيون جمالها ، فإلى أقصى حدائق حسنها . رنت أحداقها ، وسبت النفوس منازلها ، وكيف لا ، وهى المنازل التي لم نزل نشتاقها ، وشغلت القلوب أبياتها ، وكيف لا وقد زانها ترصيعها وطباقها ، وحوت من البهاء ما لو حوته البدور لما شانها بعد التمام محاقها ، وأمست روضة أثمرت اللآلي والدرر ، وفلكا زها بالمشرقات فيه ، [ 46 ] وكيف لا وفى كل ناحية من وجهها قمر . وحلّ - خلَّد الله ملكه - بظاهر القاهرة فكادت تسير لخدمته بأهلها وجدرانها ، غير أنّه أثقلها الحلى فأخّرها لتبدو إليه في أوانها المراد ، وما أحسن الأشياء في أوانها ، وهمّ نيلها أن يجرى في طريقه لكنه أخّره النقص
--> [ 1 ] في ص ، وف « لحلك » ولعل الصواب ما أثبته . [ 2 ] كذا في ص ، وف . ولعلها « الصعاده » . [ 3 ] في ص ، وف « ممكنه » ولعل الصواب ما أثبته . [ 4 ] في ص ، وف « رتائل » والمثبت من السلوك 1 : 1035 .