النويري

34

نهاية الأرب في فنون الأدب

وأجناده نحمده على ما وهبنا من نصره ، ونشكره على نعمه التي خوّلنا منها بأسا أذاق العدوّ وبال أمره ، ونشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له شهادة ترفع منار هذا الدين ، وتضاعف أجر المجاهدين الذين [ 10 ] أضحوا في درج المتقين مرتقين ، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بعثه وضروع الكفر حوافل ، وربوع البغّى أواهل . فلم يزل يجرّد الصّفاح من مقرّها ، ويطلق جياد الغرم في مجراها وصعاد الحزم في بحرها ، إلى أن أخمد نار الشرك والنفاق ، وظهرت معجزاته بإطفاء نار فارس بالعراق ، صلى اللَّه عليه وعلى آله الذين جرّدوا بين يديه سيوف الحتوف ، فاستغلقت الأعمار ، وهاجروا إليه ونصروه فسموا المهاجرين والأنصار ، وبعد : فإن الوقائع التي عظمت آثارها في الآفاق ، وحفظت بها دماء المسلمين من أن تراق ، وبقى بها الملك والممالك ، وأشرق بها سواد الخطب الحالك ، وسطَّرها اللَّه تعالى في صحائف مولانا السلطان الملك الناصر ، وآتاه فيها من الملك ما لم يبلغه أحد ، فأورثه به ظفرا مخلَّدا لا يفنى وإن طال المدار والأمد ، وأشبه في ثباته ووثباته بها أباه رضىّ اللَّه عنه ، والشبل في المخبر مثل الأسد ، واستقر بها الملك في مهاد السكون بعد القلق ، وتبدلَّت بها الملة الإسلامية الأمن بعد الفرق ، وأضحى بها وجه الإسلام سافرا بعد تقطيبه ، وطلع بها بدر السرور كاملا بعد مغيبه ، وعمّت الأيام إحسانا من الملك وحسنى وعلَّم المؤمنين بها تحقيق قوله عز وجل * ( وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ) * [ 1 ] حقها [ 2 ] أن يسطر فيها ما يعمر ربوع السرور ويؤنس معاهده ، ويقف عليه الغائب فيكون كمن شاهده ويذيع أنباء هذه النّصرة في الأقطار ، ويتحقق أهل الإسلام أن لهم ملكا يناضل عن دين اللَّه بالسّمر الطَّوال والبيض القصار ، وسلطانا ما أغمد سيفه في جفنه إلا ليستجم لأخذ الثأر ممّن ثار .

--> [ 1 ] سورة النور آية 55 . [ 2 ] زيادة يقتضيها السياق .