النويري
271
نهاية الأرب في فنون الأدب
عليهم الطلب . وعزم على مصادرة أعيانهم ، وذوى الأموال منهم . وأمر بإيجاد مقارع لعقوبة أهل الثغر . فبقى الناس من ذلك في شدة عظيمة ، لا يرجون خلاصا إلا ببذل الأموال والأبشار ؛ وأهان متولى الثغر . فبينما الناس على مثل ذلك ، إذ وقعت يطاقه لمتولى الثغر ، في عشية النهار ، تنضمن خبر مقتل السلطان . فكتمها المتولى عن الصاحب وغيره ، وصبر إلى أن دخل الليل ، وجاء إلى باب الصاحب ، واستأذن عليه ، فأذن له . فوقف بين يديه على عادته . فقال له الصاحب : ما الذي جاء بك في هذا الوقت ، هل ظهرت لك مصلحة يعود نفعها ؟ فقال : يا مولانا ، لم يخف عن علمك أن أهل هذا الثغر غزاة مرابطون ، وما قصد أحد أذاهم ، فتم له مقصوده ، والذي يراه المملوك ، أن يحسن مولانا إليهم ، ويطيب خواطرهم ، ويفرج عنهم - هذا اللفظ أو معناه « 1 » - فسبه الصاحب أقبح سب . وهم أن يوقع به ، والوالي لا يزيده أن يقول : مولانا يروض نفسه ، فلا فائدة في هذا الحرج . والصاحب يزيد في سبه ، والإغلاظ له ، ويتعجب من إقدامه على مخاطبته بمثل هذه الألفاظ . فلما أفرط [ الصاحب ] « 2 » في سبه ، وزاد به الحرج ، تقدم إليه بالبطاقة . وقال يقف مولانا على هذه . فلما قرأها ، سقط في يده ، وخاطبه بياخوند . فقال له المتولى : ما الذي تختار . فقال : الخروج من هذه الساعة . فلم يؤاخذه المتولى ، بما صدر منه في حقه وفتح له باب المدينة ، وأخرجه وعرض عليه أن يجهز معه من يوصله القاهرة فامتنع . وخرج من الثغر في ليلته . ولو أصبح به لقتله أهله .
--> « 1 » يقابل ما ورد في ابن الفرات ج 8 ، ص 175 . « 2 » الإضافة من ابن الفرات ج 8 ، ص 175 .