النويري
480
نهاية الأرب في فنون الأدب
قال الفرّاش : فجئت إليه وجعلت ألومه على بكائه من لطمة واحدة ، فكيف لو ضربت ألف عصاة أو دبّوس ، أو جرحت بسيف ؟ ! فقال : واللَّه ما بكائي وغيظى من أجل لطمة ، وإنما كونه لعن أبى وأمي وجدى . فقلت له : ومن أبوك وجدك وأمك ؟ فقال : واللَّه أبى خير من أبيه ، وأمي خير من أمه ، وجدى خير من جده . فقلت له : أنت مملوك تركى ، كافر بن كافرين . فقال : واللَّه ، ما أنا إلا مسلم ، ابن مسلمين : أنا محمود بن ممدود ، ابن أخت خوارزم شاه ، من أولاد الملوك . قال : فسكتّ عنه وطايبته . وتقلَّبت به الأحوال ، إلى أن ملك الديار المصرية والشام . ولما ملك دمشق أحسن إلى الحاج على الفراش المذكور ، وأعطاه خمسمائة دينار ، ورتب له راتبا جيّدا . قال الشيخ شمس الدين : وقد حكى لي ولوالدي ، هذه الحكاية عنه . هذا معنى كلامه ولفظه . ومما يؤيّد هذه الحكاية أيضا - ويشهد لها - ما حكاه الشيخ شمس الدين - المذكور - عن والده ، قال : حكى لي الحاج أبو بكر بن الدّريهم الإسعردى ، والحاج زكى الدين إبراهيم الجزري - المعروف بالجبيلى ، أستاذ الفارس أقطاى - قالا : كنا عند الأمير سيف الدين قطز في أول دولة أستاذه : الملك المعزّ ، وقد حضر عنده منجّم ورد من بلاد المغرب - وهو موصوف بالحذق في علم الرّمل والفلك . فأمر قطز أكثر من عنده من حاشيته بالانصراف ، فانصرفوا .