النويري

378

نهاية الأرب في فنون الأدب

ولما حصلت هذه الهزيمة على العسكر المصري ، ثبت الملك المعز في نحو ثلاثمائة فارس أبطال أصحابه . وحمل بهم على الصّناجق الناصرية ، رجاء أن يكون الملك الناصر تحتها ، فيظفر به . وكان الملك الناصر قد احتاط لنفسه واعتزل المعركة ، وتحيّز إلى فئة . فرجع إلى الشام - وصحبه نوفل الزّبيدى ، وعلى السّعدى . وكان من انهزام عساكره وتمزيق جيوشه ، وقتل أتابكه ، ما نذكره في أخبار الملك المعز - جريا على القاعدة . وكان الأتابك شمس الدين لؤلؤ قد أسر ، فأراد الملك المعز إبقاءه ، وأشار عليه بذلك الأمير حسام الدين بن أبي على ، وقال : لا تقتله ، فإنك تأخذ به الشام . فقال الأمير فارس الدين أقطاى : هذا الذي يقول : إنه يأخذ مصر بمائتى قناع ! فضربوا عنقه ! . وكان - رحمه اللَّه تعالى - أرمنىّ الجنس ، صالحا عابدا ، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر . وقتل وقد ناف على ستين سنة . ولما حصلت هذه الوقعة ، تأكَّدت أسباب الوحشة بين الملكين : الناصر والمعزّ ، وثارت الفتن بينهما . وتجرّدت الجيوش من كل من الطائفتين مقابلة الأخرى ، إلى أن قدم الشيخ نجم الدين البادرائى رسول الخليفة ، فأصلح بين الملكين . ووقع الاتفاق على أن يأخذ الملك المعز من الملك الناصر القدس وغزّة ، وجميع البلاد الساحلية ، فتسلَّم ذلك . وحلف كلّ من الملكين للآخر . ثم استعاد الملك الناصر ذلك من الملك المعزّ ، لمّا التحق بها لأمراء البحريّة عند هربهم من الديار المصرية ، بعد مقتل الأمير فارس الدين أقطاى - على ما نذكر ذلك - إن شاء اللَّه تعالى . فلنذكر خلاف ذلك من أخباره .