النويري

333

نهاية الأرب في فنون الأدب

وكان - رحمه اللَّه - سخىّ الكفّ ، طلق الوجه . وكان محبا للكتب ، جمّاعا لها ، جمع منها ما لم يجمعه أحد من أمثاله . واشتهر بالرغبة فيها ، والمغالاة في أثمانها ، فقصده الناس بها من الآفاق . فاجتمع له منها ألوف كثيرة ، بالخطوط المنسوبة ، وخطوط المشايخ والمصنّفين . ولم يقع له كتاب مليح فردّه ، بل يبالغ في إرضاء صاحبه بالثّمن . فإذا ملكه استوعب قراءته ، ثم جعله في خزائنه ، ثم يشحّ في إخراجه ، فلا يكاد يظهر عليه أحدا ، صيانة له وضنّا به ! . قال الحافظ محبّ الدين بن النجار : كنّا عنده ليلة ، في شهر رمضان ، فجرى بحث أفضى إلى اعتبار كلمة وكشفها من كتاب الصّحاح . فقال لبعض مماليكه : إذهب إلى المؤيّد - يعنى أخاه - وأحضر من عنده نسخة من الصّحاح . قال : فقلت له : والمولى ما عنده نسخة من الصّحاح ؟ ! فقال : وحياتك - يا محبّ - عندي خمس نسخ ، وما يطيب على قلبي أن أخرج منها نسخة - لا سيما بالليل ، ونحتاج إلى إدخال الضوء . وله في شغفه بالكتب حكايات كثيرة ، أضربنا عن ذكرها . وأوصى بكتبه بعد وفاته للملك الناصر : صلاح الدين يوسف ، بن الملك العزيز ، صاحب حلب . وكانت تساوى خمسين ألف دينار . ودفن بحلب - رحمه اللَّه تعالى . وفيها توفى عماد الدين ، بن سديد الدين ، محمد بن سليم بن حنّا - وهو أخو الصاحب بهاء الدين .