النويري
292
نهاية الأرب في فنون الأدب
واستئذانه . وما زال الأمر جاريا على ذلك ، إلى أن ملك السلطان الملك الصالح نجم الدين ، فغلظ حجابه ، وتعذّر خطابه وجوابه ، وتعاظم أن يشاور في الجزئيات ، وأن يشافه إلا في الأمور المعضلات . فاستقلّ حينئذ القضاة وغيرهم ، واستبدّوا بالولايات والعزل . ولنرجع إلى أحوال قاضى القضاة : شرف الدين ، وسيرته . وكان - رحمه اللَّه تعالى - جوادا كريما ، زاهدا لا يدّخر شيئا : ولا يملك إلا سجّادة خضراء من الصوف ، وسجّادة من أدم ومشطا وسبحه ، ومقراضا ، وعودا من أراك « 1 » . وليس له إلا بدلة واحدة ، فإذا تغيّرت ، غسلت له ليلا . وبغلة واحدة . فإذا كان زمن الربيع ، استأجر بغلة في كل يوم بثلاثة دراهم ، ويقوم بعلفها من عنده ، ما ملك عقارا ، ولا وجبت عليه زكاة في عمره . وكان مضبوط المجلس ، لا يسارّ أحدا في مجلسه ولا يضحك فيه . وكان كثير العبادة ، يسرد الصّوم ، ولا يفطر إلا الأيام التي لا يجوز صومها ، كثير التلاوة للقرآن ، والذّكر والأدعية . وكان . لا يكلَّف أحدا قضاء حاجة ، إلا ويعطيه فوق أجرته . حتى كان يدفع ملء إبريق ماء حارا في الشتاء من الحمّام ، عند كل صلاة ، نصف درهم للحمّامى ، وربع درهم لحامل ذلك إليه . وكان يدفع لبارى أقلامه أجرة ، من درهمين إلى ثلاثة .
--> « 1 » أي : السّواك . لأن شجر الأراك هو الذي يتّخذ منه السّواك .