النويري

222

نهاية الأرب في فنون الأدب

وقال : لعماد الدين بن موسك أحضر لي الوديعة . فقام ، وعاد وعلى رأسه مئزر صوف أبيض تلوح منه الأنوار ، ففتحه وإذا فيه خرق الفقراء وطواقى الأولياء ، وفيه إزار عتيق ما يساوى خمسة قراطيس . فقال يكون هذا على جسدي أتقى به حرّ الوطيس ، فان صاحبه كان من الأبدال وكان حبشيّا ، أقام بحبل الرّها يزرع قطعة زعفران يتقوت بها ، وكنت أصعد إليه وأزوره ، وأعرض عليه المال فلا يقبله ، فسألته شيئا من أثره أجعله في كفنى ، فأعطاني هذا الإزار ، وقال قد أحرمت فيه عشرين حجّة . وكان آخر كلامه : لا إله إلا اللَّه . ثم مات في التاريخ المذكور . قال أبو المظفر : ولما أحسّ بوفاته في آخر سنة أربع وثلاثين ، قلت له : استعد للقاء اللَّه فما يضيرك ، قال : لا واللَّه بل ينفعني . ففرّق البلاد ، وأعتق مائتي مملوك وجارية . ووقف دار فرّخشاه ، التي يقال لها دار السعادة ، وبستان النّيرب « 1 » على ابنته . وأوصى لها بجميع الجواهر . قال أبو المظفر : وحكى لي الفقيه محمد اليوناني « 2 » ، قال : حكى لي فقير صالح من جبل لبنان . ، قال : لما مات الأشرف رايته في المنام وعليه ثياب خضر ، وهو يطير بين السماء والأرض ، مع جماعة من الأولياء . فقلت له يا موسى ، إيش تعمل مع هؤلاء ، وأنت كنت تفعل في الدنيا وتصنع ؟ فالتفت إلى وتبسم ، وقال : الجسد الذي كان يفعل تلك الأفاعيل تركناه عندكم ، والروح التي كانت تحب هؤلاء قد صارت معهم - رحمه اللَّه تعالى .

--> « 1 » قرية مشهورة بدمشق ، على نصف فرسخ منها في وسط البساتين قال ياقوت عنها : هي أنزه موقع رأيته . ( معجم البلدان : ج 8 - 355 ) « 2 » نسبة إلى يونان : قرية من بعلبك . تقدم ذكرها .