النويري
195
نهاية الأرب في فنون الأدب
ولما مات الملك الناصر صلاح الدين ، وملك الملك العادل دمشق ، سار متوجها إلى الشام . وكتب إلى الملك العادل قصيدته الرّائيّة ، واستأذنه في الدخول إلى دمشق . ووصفها وصف ما قاسى في الغربة ، ولما فرغ من وصف دمشق وأنهارها وبساتينها ومستنزهاتها ، قال في قصيدته : فارقتها لا عن رضى ، وهجرتها لا عن قلى ، ورحلت لا متخيّرا أسعى لرزق في البلاد مشتّت ومن العجائب أن يكون مقتّرا وأصون وجه مدائحى متقنّعا وأكفّ ذيل مطامعى متستّرا جاء منها في شكوى الغربة ، وما قاساه منها : أشكو إليك نوى ، تمادى عمرها حتى حسبت اليوم منها أشهرا لا عيشتى تصفو ولا رسم الهوى يعفو ، ولا جفنى يصافحه الكرى أضحى عن الأخوى المريع محلَّا « 1 » وأبيت عن ورد النّمير « 2 » منفرّا ومن العجائب أن تفيّأ ظلَّكم كلّ الورى ، ونبذت وحدى بالعرا فلما وقف العادل على هذه القصيدة ، أذن له في الدخول إلى دمشق ، فدخلها .
--> « 1 » حلَّاه عن الماء : طرده ومنعه . « القاموس » . والأحوى : الأرض المخضرّة أو المرعى . فالمعنى : أنه يضحى عن المرعى الخصيب مطرودا . « 2 » النمير : الغدير الصافي .