النويري

87

نهاية الأرب في فنون الأدب

وله أخبار بإفريقية تدل على كرمه وبعد همته . فمن مشهورها أن بعض وكلائه أتاه يوما فقال : « أعز اللَّه الأمير ! أعطيت في الفول الذي زرعناه بفحص القيروان كذا وكذا ! » . وذكر ما لا جليلا . فسكت وأمر قهرمانه وطباخه أن يخرجا إلى ذلك الموضع . وأمر فراشيه أن يضربوا قبة ، فضربوا مضارب كثيرة . وخرج مع أصحابه فتنزه فيه وأطعم . فلما أراد الانصراف دعا بالوكيل وأمر بأدبه وقال له : « يا ابن اللَّخناء ، أردت أن أعيّر بالبصرة فيقال : يزيد بن حاتم باقلانى ! أمثلي يبيع الفول ، لا أمّ لك ؟ » . ثم أمر بإباحته . فخرج الناس إليه من بين آكل وشارب ومتنزه حتى أتوا على جميعه . ومن أخباره المشهورة أنه خرج متنزها إلى منية الخيل ، فنظر في طريقه إلى غنم كثيرة . فقال : « لمن هذه ؟ » قالوا : « لابنك إسحاق » . فدعا به فقال له : « ألك هذه الغنم ؟ » . قال : « نعم » . قال : « لم أردتها ؟ » . قال : « آكل من خرافها وأشرب من ألبانها وأنتفع بأصوافها » . قال : « فإذا كنت أنت تفعل هذا ، فما بينك وبين الغنامين والجزارين فرق » . وأمر أن تذبح وتباح للناس . فانتهبوها وذبحوها وأكلوا لحومها . وجعلوا جلودها على كدية ، فهي تعرف بكدية الجلود « 1 » . وله مكارم يطول شرحها رحمه اللَّه تعالى .

--> « 1 » الكدية : الأرض الغليظة