النويري
135
نهاية الأرب في فنون الأدب
ذكر اعتزال إبراهيم الملك وزهده وغزوه ووفاته وكان سبب ذلك أن رسول الخليفة المعتضد باللَّه العباسي قدم عليه في سنة تسع وثمانين « 1 » ومائتين من بغداد إلى تونس . فخرج إبراهيم إليه وضربت له فازة « 2 » سوداء في سبخة تونس . فخلا بالرسول وكان بينهما محاورة ولم يأته بكتاب . وكان المعتضد قد أرسله على غضب وسخط لشكوى أهل تونس منه ، وصياحهم على المعتضد ، ووصفهم له ما صنع بهم إبراهيم ، وقالوا : « أهدى إليك نساءنا وبناتنا » . فغضب المعتضد ، وأمره باللحاق به وأن يعتزل عن إفريقية . وولى عليها ابنه أبا العباس . فكره إبراهيم المسير إلى المعتضد . وأظهر التوبة ، ورفض الملك ، ولبس الخشن من الثياب . وأمر بإخراج من في سجونه . وقطع القبالات « 3 » . وبعث إلى ابنه أبى العباس وهو بصقلية ليصير إليه الملك ، ويخرج له من الأمر . فقدم عليه في شهر ربيع الأول فسلم إليه الأمر وخرج من تونس . وأظهر أنه يريد الحج . ووصل إلى سوسة ، ووجه رسله إلى بغداد بذلك . ثم بعث من يذكر رجوعه عن الحج وخروجه إلى الجهاد « 4 » خشية من بنى طولون لئلا تسفك بينهما الدماء . واستقر الناس ، ودعاهم إلى الجهاد ، ووسع على من أتاه . وخرج من سوسة لئلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخرة .
--> « 1 » ابن خلدون 4 : 436 : ثمان وثمانين . « 2 » الفازة : مظلة بعمودين أو بعمود واحد . « 3 » القيالات : الكفالات . « 4 » كذا في ص ، ر . وفي ع ، ك : عن الجهاد .