النويري

89

نهاية الأرب في فنون الأدب

إليه فانتهر التجار وشتمهم ، فتزايد طمع الجند فعدوا على صيرفي فنازعوه كيسه ، فاستعان بالناس فخلصوه منه « 1 » ، وشكا أهل المدينة إلى ابن الربيع فلم ينكره ، ثم جاء رجل من الجند إلى جزار ، فاشترى منه لحما في يوم جمعة فلم يعطه الثمن ، وشهر عليه السيف فضربه الجزار بشفرة في خاصرته فقتله ، واجتمع الجزارون وتنادى السودان فقاتلوهم ، ونفخوا في بوق لهم فسمع السودان من العالية والسافلة فاجتمعوا ، وكان رؤساؤهم ثلاثة ، وهم : وثيق ويعقل وزمعة ، فقتلوا في الجند حتى أمسوا ، وقصدوا ابن الربيع فهرب منهم ، وأتى بطن نخل على ليلتين من المدينة فنزل به ، وانتهب السودان طعاما للمنصور وزيتا وغيره ، فباعوا الحمل الدقيق بدرهمين ، والراوية الزيت بأربعة دراهم ، ولم يصل الناس في ذلك اليوم جمعة ، فذهب محمد بن عمران ومحمد بن عبد العزيز وغيرهما إلى العبيد فكلموهم ، فقالوا : مرحبا بموالينا ، واللَّه ما قمنا إلا أنفة بما عمل بكم ، فأمرنا إليكم ، فأقبلوا بهم إلى المسجد فخطبهم ابن أبي سبرة ، وحثهم على الطاعة فتراجعوا ، ثم قال لهم - من الغد إنكم كان منكم ما كان بالأمس « 2 » - نهبتهم طعام أمير المؤمنين ، فلا يبقيّن عند أحد منه شئ إلا ردّه فردّوه ، ورجع ابن الربيع إلى المدينة فقطع يد وثيق ويعقل وغيرهما . ذكر بناء مدينة بغداد وانتقال أبى جعفر المنصور إليها وفى هذه السنة ابتدأ المنصور في بناء مدينة بغداد ، وسبب ذلك أنه كان قد ابنتي المدينة الهاشمية بنواحي الكوفة ، فلما ثارت الراوندية فيها كره سكناها لذلك ، ولجوار أهل الكوفة فإنه كان لا يأمنهم على نفسه ، فخرج يرتاد موضعا لبنائها ، وكان بعض جنده قد تخلف عنه بالمدائن لرمد أصابه ،

--> « 1 » هكذا في المخطوطات ويظهر أن الضمير يشير إلى فرد من الجند . « 2 » التعبير في الكامل لابن الأثير ج 5 ص 14 : فلما كان الغد قال لهم ابن أبي سبرة . إنكم قد كان منكم بالأمس ما قد علمتم