النويري
73
نهاية الأرب في فنون الأدب
فدعا أبا حميد وقال له : ارجع إلى صاحبك فليس من رأيي أن آتيه ، قال : قد عزمت على خلافه ، قال : نعم ، قال : لا تفعل ، قال لا أعود أبدا ، فلما أيس منه أبلغه الرسالة ، فوجم طويلا ثم قال : قم كررها وارتاع لقوله . وكان المنصور قد كتب لأبى داود - خليفة أبى مسلم بخراسان - حين اتهم أبا مسلم : أن لك إمرة خراسان ، فكتب أبو داود إلى أبى مسلم : إنا لم نخرج لمعصية خلفاء اللَّه وأهل بيت نبيّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، فلا تخالفنّ إمامك ولا ترجع إلا بأمره ، فوافاه كتابه وهو على تلك الحال فزاده رعبا ، فأرسل إلى أبى حميد فقال له : إني كنت عازما على المضي إلى خراسان ، ثم رأيت أن أوجّه أبا إسحاق إلى أمير المؤمنين فيأتينى برأيه ، فإنه ممن أثق به فوجّهه ، فلما قدم تلقاه بنو هاشم بكل ما يحب ، وقال له المنصور : اصرفه عن وجهه ولك ولاية خراسان وأجازه ، فرجع أبو إسحاق إلى أبى مسلم وقال : ما أنكرت شيئا ، ورأيتهم معظمين لحقك ، يرون لك ما يرون لأنفسهم ، وأشار عليه أن يرجع إلى المنصور فيعتذر إليه ، فقال له نيزك : قد أجمعت على الرجوع ؟ قال : نعم ، وتمثل : ما للرجال مع القضاء محالة غلب « 1 » القضاء بحيلة الأقوام قال : فإذا عزمت على هذا فخار اللَّه لك ، احفظ عنى واحدة : إذا دخلت عليه فاقتله ، ثم بايع لمن شئت ، فإن الناس لا يخالفونك . وكتب أبو مسلم إلى المنصور إنه منصرف إليه ، وسار نحوه واستخلف أبا نصر مالك بن الهيثم على عسكره ، وقال له : أقم حتى يأتيك كتابي ، فإن أتاك مختوما بنصف خاتم فأنا كتبته ، وإن أتاك بخاتمي كله فلم أختمه ، وقدم المدائن في ثلاثة آلاف رجل وخلف الناس بحلوان . قال : ولما دنا أبو مسلم من المنصور أمر الناس بتلقيه ، فتلقاه بنو هاشم والناس ؛ ثم قدم فدخل
--> « 1 » في الكامل ج 4 ص 353 والطبري ج 6 ص 133 : ذهب .