النويري
365
نهاية الأرب في فنون الأدب
يا هذا - ما أسرع ما قابلتنى بالقبيح على الجميل ، انصرف بمالك بارك اللَّه لك فيه ، قلت : قد بقيت لي حاجة ، قال : ما هي « 1 » ؟ قلت : أحبّ أن تخبرني عن سبب طاعة هذا القائد لك ، مع إقلاله الفكر بأكابر الدولة ، فقال : قد بلغت غرضك فلا تقطعنى عن شغلى بحديث لا فائدة لك فيه ، فألححت عليه فقال : أنا رجل أقرأ وأؤم وأقرئ في هذا المسجد منذ أربعين سنة ، لا أعرف كسبا إلا من الخياطة ، وكنت صلَّيت المغرب منذ مدة وخرجت أريد منزلي ، فاجتزت على تركى كان في هذه الدار ، وأومأ إلى دار بالقرب منه ، وإذا امرأة جميلة الوجه قد اجتازت عليه ، فعلق بها وهو سكران وطالبها بالدخول إلى داره ، وهى تمتنع وتستغيث وتقول في جملة كلامها : إنّ زوجي قد حلف بالطلاق لا أبيت عنه ، وإن أخذني هذا وغصبنى وبيّتنى عن منزلي خرب بيتي ولحقنى من العار ما لا تدحضه « 2 » الأيام عنى ، وما أحد يغيثها ولا يمنع منها ، فجئت إلى التركي ورفقت به في أن يخلى عنها فلم يفعل ، وضرب رأسي بدبّوس كان في يده فشجّه ، وأدخل المرأة ، فصرت إلى منزلي وغسلت الدم عن وجهي وشددت رأسي ، وخرجت لصلاة العشاء الآخرة ، فلما فرغنا منها قلت لمن حضر : قوموا معي إلى هذا التركي عدو اللَّه ، لننكر عليه ونخرج المرأة من عنده ، فقاموا فجئنا وصحنا على بابه ، فخرج إلينا في عدة من غلمانه فأوقع بنا ، وقصدنى من بين الجماعة بالضرب الشديد الذي كاد يتلفنى ، وحملت إلى منزلي وأنا لا أعقل أمرى ، فنمت قليلا للوجع ثم طار النوم عن عيني ، وسهرت متقلَّبا على فراشي ومفكرا في أمر المرأة ، فإنّها متى أصبحت طلَّقت ، ثم قلت : هذا رجل شرب طول ليلته ولا يعرف الأوقات ، فلو أذّنت لوقع له أن الفجر قد طلع ، فربما أخرج المرأة فمضت إلى بيتها وبقيت في حبال زوجها ، فتكون قد
--> « 1 » في المصدر السابق : قل « 2 » في المصدر السابق : ترحمه