النويري

351

نهاية الأرب في فنون الأدب

ودخلت سنة أربع وثمانين ومائتين في هذه السنة في شهر ربيع الأول ظهر بمصر ظلمة شديدة وحمرة في السماء ، حتى كان الرجل ينظر إلى وجه الآخر فيراه أحمر ، ومكثوا كذلك من العصر إلى العشاء الآخرة ، وخرج الناس من منازلهم يدعون ويتضرعون إلى اللَّه . وفيها عزم المعتضد على لعن معاوية بن أبي سفيان على المنابر ، وأمر بإنشاء كتاب يقرأ على المنابر ، وذكر في الكتاب يزيد وغيره من بنى أمية ، وعملت بالكتاب نسخ قرئت في جانبي بغداد ، ومنع القصاص والعامة من القعود في الجامعين ، ونهى عن الاجتماع على قاض أو مناظرة وجدل في أمر الدين ، ونهى الذين يسقون في الجامعين ألا يترحّموا على معاوية ولا يذكروه ، فقال له عبيد اللَّه بن سليمان : إنّا نخاف اضطراب العامة وإثارة فتنة ، فلم يرجع إليه ، فقال عبيد اللَّه للقاضي يوسف بن يعقوب ليحتال في منعه ، وكلَّم يوسف المعتضد وحذّره اضطراب العامة فلم يلتفت ، فقال : يا أمير المؤمنين فما تصنع بالطالبيين الذين يخرجون من كل ناحية ، ويميل إليهم خلق كثير من الناس ؟ فإذا سمع الناس ما في هذا الكتاب مالوا إليهم ، وصاروا هم أبسط ألسنة وأثبت حجة منهم اليوم ، فأمسك المعتضد ولم يأمر في الكتاب بشئ بعد ذلك . وفيها ظهر بدار المعتضد إنسان بيده سيف ، فمضى إليه بعض الخدم لينظر ما هو ، فضربه بالسيف فجرحه فهرب الخادم ، ودخل الشخص في زرع البستان فتوارى فيه ، وطلب فلم يعرف له خبر واستوحش المعتضد ، وكثر الناس القول حتى قالوا إنّه من الجن ، وظهر مرارا كثيرة فوكل المعتضد بسور داره وأحكمه ، ثم أحضر المجانين والمعزّمين بسبب الشخص ، فقال المعزّمون : نحن نعزّم على بعض المجانين فإذا صرع سئل الجنّى فيخبر بخبره ،