النويري

343

نهاية الأرب في فنون الأدب

وآكل وأنا في عافية ؛ وقال في مرضه : أطبق ديواني على مائة ألف مرتزق ، ما أصبح فيهم أسوأ حالا منّى ، ووصل إلى داره لليلتين خلتا من صفر ، وشاع موته بعد انصراف أبى الصقر من داره ، وكان قد تقدّم بحفظ أبى العباس فأغلقت عليه الأبواب . قال : ووجّه أبو الصقر إلى المدائن فحمل منها المعتمد وأولاده وجىء بهم ، فلما رأى غلمان الموفّق ما نزل بمولاهم كسروا الأبواب المغلقة على أبى العباس ، فظن أنهم يريدون قتله فأخذ سيفه في يده ، وقال : واللَّه لا يصلون إلىّ وفىّ شئ من الروح ، فلما وصلوا إليه رأى غلامه وصيفا فألقى السيف من يده ، وعلم أنّهم لا يريدون إلا الخير ، وأخرجوه وأقعدوه عند أبيه وكان قد اعترته غشية ، فلما أفاق ورآه قرّبه وأدناه إليه ؛ وأما أبو الصقر فإنه لما حصل الإرجاف بموت الموفّق جمع القوّاد والجند وقطع الجسرين ، وحاربه قوم من الجانب الشرقي فقتل منهم قتلى ، فلما ظهر أن الموفّق حىّ حضر عنده محمد بن أبي الساج وفارق أبا الصقر ، وتسلل القواد والناس عن أبي الصقر ، فلما رأى ذلك أبو الصقر حضر هو وابنه دار الموفّق ، وذكر أن أبا الصقر أراد أن يتقرب إلى المعتمد بمال الموفّق وأسبابه ، وأشاعوا ذلك عنه عند أصحاب الموفّق ، فنهبوا دار أبى الصقر وما يجاوره من الدور ، وأخرجوا نساءه حفاة بغير أزر ، وكسرت أبواب السجون وحرج من فيها . قال : وخلع الموفّق عند إفاقته على ابنه أبى العباس وعلى أبى الصقر ، وركبا جميعا فمضى أبو العباس إلى منزله وجاء أبو الصقر إلى منزله وقد نهب ، فطلب له حصيرة يجلس عليها عارية ، ثم مات الموفق في التاريخ الذي ذكرناه ، وجلس ابنه أبو العباس للتعزية ، وكان الموفّق عاد لأحسن السيرة يجلس للمظالم وعنده القضاة والفقهاء وغيرهم ، فينصف الناس بعضهم من بعض ، وكان عالما بالأدب والنسب والفقه وسياسة الملك .