النويري
326
نهاية الأرب في فنون الأدب
ذكر شئ من سيرة المهتدى كان رحمه اللَّه من أحسن الخلفاء طريقة ، وأكثرهم ورعا وعبادة ، قال عبد اللَّه بن إبراهيم « 1 » الإسكافى : جلس المهتدى يوما للمظالم فاستعداه رجل على ابن له ، فأمر بإحضاره فأحضر وأقامه إلى جانب خصمه ، فقال الرجل للمهتدى : واللَّه ما أنت - يا أمير المؤمنين - إلا كما قال القائل : حكَّمتموه فقضى « 2 » بينكم أبلج مثل القمر الزاهر لا يقبل الرشوة في حكمه ولا يبالي عنت « 3 » الخاسر فقال المهتدى : أما أنت أيها الرجل فأحسن اللَّه مقالتك ، وأما أنا فما جلست حتى قرأت * ( ونَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ ) * « 4 » الآية ، فما رأيت باكيا أكثر من ذلك اليوم . وقال أبو العباس هاشم بن القاسم الهاشمي : كنت عند المهتدى في بعض عشايا رمضان ، فقمت لأنصرف فأمرني بالجلوس فجلست حتى صلَّى بنا المغرب ، ثم أمر بالطعام فأحضر : طبق خلاف عليه رغيفان وفى إناء ملح وفى آخر زيت وفى آخر خلّ ، فدعاني إلى الأكل فأكل وأكلت مقصرا ، ظنا منّى أنّه يحضر طعاما جيدا ، فلما رأى أكلى كذلك قال : أما كنت صائما ؟ ! قلت : بلى ، ولست تريد الصوم غدا ؟ قلت : وكيف لا وهو شهر رمضان ! فقال : كل واستوف عشاك فليس هناك غير ما ترى ، فعجبت من قوله وقلت : لم - يا أمير المؤمنين ؟ أسبغ اللَّه عليك النعمة ووسّع رزقه ، فقال : إن الأمر على ما ذكرت والحمد للَّه ، ولكني فكَّرت أنّه كان من بنى أمية عمر بن عبد العزيز فغرت على بني هاشم ألا يكون في خلفائهم مثله ، فأخذت نفسي بما رأيت ؛ قال إبراهيم بن
--> « 1 » هكذا في المخطوطات والكامل ج 5 ص 358 وفى ص : الاهتم « 2 » هكذا في المخطوطات والمنتظم ج 5 القسم الثاني ورقة 202 وفى الكامل ج 5 ص 358 : قاضيا « 3 » في الكامل ج 5 ص 358 : غبن « 4 » سورة الأنبياء آية 47 ( ونَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ )