النويري
299
نهاية الأرب في فنون الأدب
فأجابهم ، وأحضر المعتز والمؤيّد بعد أربعين يوما من خلافته ، وجعلا في دار وجاءت الرسل إليهما بالخلع ، فأجاب المؤيّد وامتنع المعتز وقال : إن أردتم القتل فشأنكم ، فأخبروا المنتصر بقوله ثم عادوا بغلظة وشدة وأخذوا المعتز بعنف ، وأدخلوه بيتا فدخل إليه المؤيّد ، وقال له : ويلك يا جاهل ، إنّهم نالوا من أبيك - وهوهو - ما نالوا ، ثم تمتنع عليهم ؟ اخلع ولا تراجعهم وإن كان في سابق علم اللَّه أن تلى لتلينّ ، فقال أفعل ، فخرج المؤيّد وقال : قد أجاب إلى الخلع ، فمضوا وأعلموا المنتصر وعادوا ومعهم كاتب ، فجلس وقال للمعتز : اكتب بخطَّك خلعك ، فقال المؤيّد : هات قرطاسك - إمل « 1 » ما شئت ، فأملى عليه كتابا إلى المنتصر يعلمه فيه ضعفه عن هذا الأمر ، وأنّه لا يحلّ له أن يأثم المتوكل بسببه ، إذ لم يكن موضعا له ، ويسأله الخلع ويعلمه أنه قد خلع نفسه وأحلّ الناس من بيعته - فكتب ذلك ، وقال للمعتز : اكتب فأبى فأعاد عليه فكتب ، وخرج الكاتب « 2 » عنهما ثم دعاهما المنتصر ، فدخلا عليه فأجلسهما ، وقال : هذا كتابكما ؟ قالا : نعم يا أمير المؤمنين ، فقال لهما - والأتراك قيام - أتريانى خلعتكما طمعا في أن أعيش حتى يكبر ولدى وأبايع له ؟ لا - واللَّه - ما طمعت في ذلك ساعة قط ، وإذا لم يكن لي في ذلك طمع فو اللَّه لئن يليها بنو أبى أحب إلىّ من أن يليها بنو عمى ، ولكنّ هؤلاء - وأومأ إلى سائر الموالى ممن هو قائم عنده وقاعد - وقد ألحّوا في خلعكما - فخفت إن لم أفعل أن يعترضكما بعضهم بحديدة ، فيأتي عليكما فما تريانى صانعا ؟ أقتله فو اللَّه ما تفي دماؤهم كلهم بدم بعضكم ، فكانت إجابتهم إلى ما سألوا أسهل فقبّلا يده وضمّهما ، ثم أشهدا على أنفسهما القضاة وبنى هاشم والقواد ووجوه الناس بالخلع ، وكتب بذلك المنتصر إلى محمد بن طاهر وغيره .
--> « 1 » في المخطوطات : املل « 2 » في المخطوطات الكتاب والتصويب عن الكامل ج 5 ص 309 والطبري ج 7 ص 409