النويري
294
نهاية الأرب في فنون الأدب
فإن رأى أمير المؤمنين أن يسرّ الأولياء ويكبت الأعداء بركوبه فعل - فركب ، وقد صف له الناس نحو أربعة أميال وترجّلوا بين يديه ، فصلَّى ورجع وأخذ حفنة من تراب فوضعها على رأسه ، وقال : إني رأيت كثرة هذا الجمع وأنّهم تحت يدي فأحببت أن أتواضع للَّه ، فلما كان اليوم الثالث افتصد واشتهى لحم جزور فأكله ، وسرّ في ذلك اليوم ، ودعا الندماء والمغنين فحضروا ، وأخذ في الشرب واللهو ، ولهج « 1 » بأن يقول : أنا - واللَّه - مفارقكم عن قليل ، ولم يزل في سروره ولهوه إلى الليل . وعزم المتوكل والفتح أن يفتكا بكرة غد بالمنتصر ووصيف وبغا وغيرهم من قوّاد الأتراك ، هذا والمنتصر قد واعد الأتراك على قتل أبيه المتوكل ، وكان ذلك لأمور : منها أن المتوكل قد عبث بالمنتصر مرة يشتمه ومرة يسقيه فوق طاقته ، ومرّة يأمر بصفعه ، ومرّة يتهدّده بالقتل ؛ ثم قال للفتح : برئت من اللَّه ومن قرابتي من رسول اللَّه إن لم تلطمه ، فقام إليه فلطمه مرتين : يمر بيده على قفاه « 2 » ، ثم قال لمن حضره : اشهدوا علىّ جميعا أنّى خلعت المستعجل يعنى المنتصر ، والتفت إليه وقال : سميتك المنتصر فسمّاك الناس - لحمقك - المنتظر « 3 » ، ثم صرت الآن المستعجل ، فقال المنتصر : لو أمرت بضرب عنقي لكان أسهل علىّ ممّا تفعل بي ، فقال : اسقوه ، ثم بالعشاء فأحضر في جوف الليل فخرج المنتصر من عنده ، وأخذ بيد زرافة الحاجب وقال له : امض معي ، فقال : إن أمير المؤمنين لم يقم ، فقال : إنّه أخذ منه الشراب ، والساعة يخرج بغا والندماء ، وأخذ المنتصر يشغل زرافة بالحديث حتى انتهى به إلى حجرة ، وأكلوا طعاما ، فما لبثا أن سمعا صيحة وصراخا فقاما ، فإذا بغا قد لقى المنتصر فقال له : عظَّم اللَّه أجرك يا
--> « 1 » في ف ، ك : لجّ ، وفى ص كما في الكامل ج 5 ص 302 والطبري ج 7 ص 392 : لهج « 2 » هكذا في المخطوطات وتاريخ الطبري ج 7 ص 392 ، وفى الكامل ج 5 ص 302 : فلطمه مرتين ثم أمرّ يده على قفاه والتحريف واضح « 3 » في الكامل ج 5 ص 302 : المنتضر وهو تحريف يدل على ذلك عدم اتفاقه مع السياق