النويري

279

نهاية الأرب في فنون الأدب

الأمر إلى المتوكل كان معه على أكثر من ذلك ، وجعل إليه الجيش والمغاربة والأتراك والأموال والبريد والحجابة ودار الخلافة ، فلما تمكَّن المتوكل من الخلافة شرب ليلة ، وعربد على إيتاخ فهمّ بقتله ، فلما أصبح المتوكل قيل له فاعتذر إليه ، وقال : أنت ربّيتنى وأنت بمنزلة الوالد وما يناسب ذلك ، ثم وضع عليه من يحسّن له الحج ، فاستأذن فيه المتوكل فأذن له ، وصيّره أمير كل بلد يدخله وخلع عليه وسار العسكر جميعه بين يديه ، فلما فارق جعلت الحجابة إلى وصيف الخادم في ذي القعدة « 1 » . قال : فلمّا عاد إيتاخ من مكة كتب المتوكل إلى إسحاق بن إبراهيم ببغداد يأمره بحبسه ، فلما قرب إيتاخ من بغداد خرج إسحاق بن إبراهيم إلى لقائه ، وكان إيتاخ أراد المسير على الأنبار إلى سامرّا ، فكتب إليه إسحاق : إنّ أمير المؤمنين قد أمر أن تدخل بغداد ، وأن يلقاك بنو هاشم ووجوه الناس ، وأن تقعد لهم في دار خزيمة بن خازم وتأمر لهم بالجوائز ، فجاء إلى بغداد فلما لقيه إسحاق أراد النزول له ، فحلف إيتاخ عليه ألا يفعل - وكان في ثلاثمائة من غلمانه ، فلما حصل بباب دار خزيمة وقف إسحاق ، وقال له : يدخل الأمير أصلحه اللَّه ، فدخل إيتاخ ومنع إسحاق أصحاب إيتاخ من الدخول ، ووكل بالأبواب وأقام عليها الحرس ، فحين رأى إيتاخ ذلك قال : قد فعلوها ! ! ولو لم يفعلوا ذلك ببغداد ما قدروا عليه ، وأخذوا معه ولديه منصورا ومظفرا وكاتبه سليمان بن وهب وقدامة بن زياد فحبسوا ، وقيّد إيتاخ وجعل في عنقه ثمانون رطلا ، فمات في جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين ومائتين ، وأشهد إسحاق جماعة من الأعيان أنه لا ضرب به ولا أثر ، قيل إنهم أطعموه ومنعوه الماء فمات عطشا . وحجّ بالناس محمد بن داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس .

--> « 1 » في ص : الحجة وهو خطأ واضح