النويري
246
نهاية الأرب في فنون الأدب
سبب ذلك أن المعتصم كان قد أكثر من الغلمان الأتراك ، وكانوا لا يزالون يرون الواحد منهم بعد الواحد قتيلا ، وذلك أنّهم كانوا جفاة يركبون الدّواب فيركضونها في الشوارع ، فيصدمون الرجل والمرأة والصبي فيأخذهم الأبناء عن دوابّهم فيضربونهم ، وربما هلك أحدهم ؛ ثم إن المعتصم ركب يوم عيد فقام إليه شيخ ، فقال له : يا أبا إسحاق لا جزاك اللَّه عن الجوار خيرا ، جاورتنا وجئت بهؤلاء العلوج من غلمانك الأتراك ، فأسكنتهم بيننا فأيتمت بهم صبياننا ، وأرملت نساءنا وقتلت رجالنا - والمعتصم يسمع كلامه ، ولم ير راكبا بعدها أبدا بل صلَّى العيد وسار إلى ناحية القاطول ولم يرجع إلى بغداد . قال : ولما خرج المعتصم من بغداد استخلف بها ابنه الواثق ، وكان المعتصم قد اصطنع قوما من أهل الحوف بمصر واستخدمهم وسماهم المغاربة ، وجمع خلقا من سمرقند وأشرو سنة وفرغانة وسماهم الفراغنة ، وكانوا من ثقاته فتركهم بعده بها . وكان ابتداء العمارة بسامرّا في سنة إحدى وعشرين ومائتين ، وبنيت في أسرع مدة وهى على شاطئ دجلة ، وقيل إنّه أنفق على جامعها خمسمائة ألف دينار ، وانتقل إليها وجعلها مقر خلافته ، وقيل إنّه سماها بهذا الاسم لأنّه لما انتقل إليها بعساكره سرّ كل منهم برؤيتها ، فسمّاها سرّ من رأى ، ولما خرج المعتصم من بغداد نزل القاطول . ذكر القبض على الفضل بن مروان بن أحمد بن عمارة الوزير كان الفضل من البردان وكان حسن الخط ، فاتصل بيحيى الجرمقانى كاتب المعتصم قبل خلافته ، فلما هلك الجرمقانى صار الفضل مكانه ، وتوجّه مع المعتصم إلى الشام ومصر فحصّل أموالا كثيرة ، فلما صار المعتصم خليفة صار له اسمها وللفضل معناها ، واستولى على الدواوين كلها وكنز الأموال ،