النويري
157
نهاية الأرب في فنون الأدب
يخدش واحد منهما صاحبه ، ثم تحاجزا « 1 » بشئ فزجّ كل واحد منهما رمحه ، وانتضى سيفه فتجالدا مليّا ، واشتد عليهما الحرّ وتبلَّد الفرسان ، وجعل ابن الجزري يضرب الضربة التي يرى أنّه قد بلغ بها ، فيتّقيها الرومي وكان ترسه من حديد ، ويضربه الرومي ضربة معذر ، فلما يئس كل واحد منهما من الوصول إلى صاحبه انهزم ابن الجزري ، فدخلت المسلمين « 2 » كآبة لم يكتئبوا مثلها قط ، وعطعط المشركون اختيالا وتطاولا ، وإنما كانت هزيمته حيلة منه فاتبعه العلج ، وتمكَّن ابن الجزري منه فرماه بوهق فوقع في عنقه فما أخطأه ، وركض فاستلبه عن فرسه ثم عطف عليه ، فما وصل إلى الأرض حتى فارقه رأسه ، فكبر المسلمون أعلى تكبير ، وانخزل المشركون وبادروا الباب يغلقونه ، واتصل الخبر بالرشيد فصاح بالقواد : اجعلوا النار في المجانيق ، ففعلوا وجعلوا الكتان والنفط على الحجارة ، وأضرموا نارا ورموا بها السور ، فكانت النار تلصق به وتأخذه الحجارة ، وقد تصدّع فتهافت ، فلما أحاطت بهم النيران فتحوا الباب مستأمنين ، فقال الشاعر المكي الذي ينزل جدّة « 3 » : هوت هرقلة لمّا أن رأت عجبا حوائما « 4 » ترتمى بالنفط والنار كأنّ نيراننا في جيب « 5 » قلعتهم مصبغات « 6 » على أرسان قصّار قال محمد بن يزيد : وأعظم الرشيد الجائزة للجدّى الشاعر ، وصبّ الأموال على ابن الجزري وقوّد ، فلم يقبل التقويد وسأل أن يعفى ، ويترك
--> « 1 » في المخطوطات تحاورا والتصويب عن الأغانى ج 17 ص 47 ( بولاق ) . « 2 » في المخطوطات : المسلمون . « 3 » في ص : بجدة . « 4 » في المخطوطات : جواثما والتصويب عن الأغانى ج 17 ص 47 ( بولاق ) . « 5 » في ف ، ك والأغانى ج 17 ص 47 ( 47 ) ( بولاق ) : جنب . « 6 » في ف ، ك : مصنعات .