النويري
142
نهاية الأرب في فنون الأدب
فكتب أصحاب الأخبار بذلك إلى الرشيد ، فأمر بإحضاره فأحضر ، وقال : ما حملك على ما قلت ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، كان إليّ محسنا ، فلما رأيته على الحال التي هو عليها حرّكنى إحسانه ، فما ملكت نفسي حتى قلت الذي قلت . قال : فكم كان يجرى عليك ؟ قال : ألف دينار ، قال : فإنّا قد أضعفناها لك . وقال يحيى بن خالد لما نكبوا : الدنيا دول ، والمال عارية ، ولنا بمن قبلنا أسوة ، وفينا لمن بعدنا عبرة . ذكر شئ من أخبار جعفر وتمكَّنه من الرشيد وما آل أمرهم إليه قيل : كان جعفر قد بلغ من الرشيد ما لم يبلغه وزير من خليفة قبله ، كان يجلسه معه في حلة واحدة قد اتخذ لها جيبان ، وبلغ عنده أن يحكم عليه فيما شاء من أمر ماله وولده ، فمن ذلك ما حكاه إبراهيم بن المهدى أخو الرشيد قال : قال لي جعفر يا إبراهيم ، إذا كان غدا فبكَّر لي ، فلما كان من الغد مشيت إليه باكرا ، فجلسنا نتحدث ، فلما ارتفع النهار أحضر حجاما فحجمنا ، ثم قدّم لنا الطعام فطعمنا ، ثم خلع علينا ثياب المنادمة ، وقال جعفر لحاجبه « 1 » : لا يدخل علينا إلا عبد الملك القهرمان ، فنسى الحاجب فجاء عبد الملك بن صالح الهاشمي ، وكان رجل بني هاشم فصاحة وملاحة وعلما وحلما وجلالة قدر وفخامة ذكر وصيانة وديانة ، فظَّن الحاجب أنّه الذي أمره بدخوله فأدخله ، فلما رآه جعفر تغيّر لونه ، فعلم عبد الملك أنهم قد احتشموا ، فأراد أن يرفع خجله وخجلهم بمشاركته لهم ، فقال : اصنعوا
--> « 1 » ينقل المؤلف عن ابن خلكان في وفيات الأعيان ج 1 ص 294 . ص 295 وكمامة الزهر ص 223 - 226 .