النويري
138
نهاية الأرب في فنون الأدب
المؤمنين إنّ يحيى قد مات ، فسرّ بذلك وقال : الحمد للَّه الذي كفاني أمره ولم يؤثمنى فيه . وانصرف جعفر فأخبر أباه يحيى بن خالد بما كان . فقال : إنّا للَّه وإنا إليه راجعون ، إن تركناه تلفنا . وإن قتلناه فالنار لنا . ثم كتب يحيى إلى علي بن عيسى بن ماهان والى خراسان يعرّفه ما جرى . وفزع إليه أن يكون عنده موسعا عليه ، إلى أن يقضى اللَّه فيه قضاءه . ولم يكن يحيى يعلم ما كان بين علي بن عيسى وبين الفضل وجعفر من العداوة . فلما وصل الكتاب إلى علىّ ووصل إليه يحيى قال : هذا من حيل الفضل وجعفر علىّ . فأجاب يحيى بأنه فعل ما أراد ، وأنفذ كتاب يحيى إلى الرشيد . فكتب إليه الرشيد يعرفه بحسن موقع ذلك عنده ، وأمره بانفاذ يحيى بن عبد اللَّه إليه سرا . فلما وصل إليه أوقع بالبرامكة « 1 » . هذا مما قيل في سبب نكبة البرامكة أما كيفيّة الإيقاع بهم وقتل جعفر فقيل ، إن الرشيد لما قضى حجّه أرسل السندي بن شاهك ، وهو أحد قوّاده ، وأمره أن يمضى إلى مدينة السلام والتوكل بالبرامكة وبدور كتّابهم وأقاربهم ، وأن يجعل ذلك سرّا يحيث لا يعلم به أحد حتى يصل إلى بغداد ، ففعل السندي ذلك ، وكان الرشيد قد نزل بالأنبار بموضع يقال له العمر « 2 » ومعه جعفر ، فمضى جعفر إلى موضعه في سلخ المحرم ، ودعا بأبى زكار الأعمى الطنبورى ، ومدّت الستارة وجلس جواريه خلفها يضربن ويغنّين ، وأبو زكَّار يغنّيه : ما يريد الناس منّا ما ينام الناس عنّا إنّما همهم أن يكشفوا ما قد دفنّا
--> « 1 » هذه القصة مطابقة لما في كمامة الزهر ص 242 « 2 » في المخطوطات العمر وهو تصحيف والتصويب عن الكامل ج 5 ص 115 والطبري ج 6 ص 488 وابن خلكان ج 1 ص 301