النويري

124

نهاية الأرب في فنون الأدب

لأربع عشرة ليلة خلت منه ، وقيل بقيت منه سنة سبعين ومائة بعيساباد ، واختلف في سبب وفاته ، فقيل كانت بقرحة في جوفه ، وقيل مرض بحديثة الموصل وعاد مريضا فمات ، وقيل إن أمّه أمرت جواريها بقتله فقتلنه ، قال : وكان سبب ذلك أنه لما ولى الخلافة كانت تستبد بالأمور دونه ، وتسلك به مسلك المهدى ، حتى مضى من خلافته أربعة أشهر ، والمواكب تغدو إلى بابها ؛ فكلَّمته يوما في أمر لم يجد إلى إجابتها سبيلا ، فقالت : لا بد منه فقد ضمنته لعبد اللَّه بن مالك بن جعفر ، فغضب الهادي وقال : واللَّه لا قضيتها ، فقالت : إذن واللَّه لا أسألك حاجة أبدا ، قال : لا أبالي واللَّه وغضب « 1 » ، وقامت مغضبة ، فقال : مكانك ، واللَّه لئن بلغني أنه وقف ببابك أحد من قوادى وخاصّتى لأضربن عنقه ، ولأقبضن ماله ، ما هذه المواكب التي تغدو وتروح إلى بابك ؟ ! أما لك مغزل يشغلك أو مصحف يذكَّرك أو بيت يصونك ! ! إياك إياك ، لا تفتحى بابك لمسلم ولا ذمّى ، فانصرفت وهى لا تعقل فلم تنطق عنده بعدها ؛ ثم قال لأصحابه : أيما خير ، أنا أم أنتم ؟ وأمي أم أمهاتكم ؟ قالوا : بل أنت وأمك خير ، قال : فأيّكم يحبّ أن يتحدث الرجال بخبر أمّه ، فيقولوا فعلت أم فلان وصنعت ؟ قالوا : لا نحبّ ذلك ، قال : فما بالكم تأتون أمي فتتحدثون بحديثها ! ! فلما سمعوا ذلك انقطعوا عنها ، ثم بعث إلى أمّه بأرز ، وقال : قد استطبتها فكلى منها ، فقيل لها : أمسكى حتى تنظري ، فجاؤوا بكلب وأطعموه منها فتساقط لحمه لوقته ، فأرسل إليها كيف رأيت الأرز ؟ قالت طيبا ، قال : ما أكلت منها ولو أكلت منها لاسترحت منك ، متى أفلح خليفة له أم ؟ ! وقيل كان سبب أمرها بقتله أنه لما جدّ في خلع الرشيد خافت عليه ، فوضعت جواريها عليه فقتلنه بالغم والجلوس على وجهه ، حتى مات واللَّه أعلم .

--> « 1 » هكذا في المخطوطات وفى الطبري ج 6 ص 422 أما في الكامل ج 5 ص 79 : وغضبت وهو تحريف .