النويري
135
نهاية الأرب في فنون الأدب
قال : وأول ما رمى الكعبة بالمنجنيق رعدت السماء وبرقت ، وعلا صوت الرّعد على الحجارة ، فأعظم ذلك أهل الشام وأمسكوا أيديهم ، فأخذ الحجاج حجر المنجنيق « 1 » ووضعه بيده ورمى به ، فجاءت الصواعق فقتلت من أصحابه اثنى عشر رجلا ، فانكسر أهل الشام ، فقال الحجاج : يأهل الشام ، لا تنكروا هذا ، فإني ابن تهامة ، وهذه صواعقها ، وهذا الفتح قد حضر ، فأبشروا . فلما كان الغد جاءت الصاعقة فأصابت من أصحاب ابن الزبير عدّة . فقال الحجاج : ألا ترون أنهم يصابون كما تصابون ، وأنتم على الطاعة وهم على خلافها ، وكان الحجر يقع بين يدي عبد اللَّه ابن الزّبير وهو يصلَّى ، فلا ينصرف عن مكانه . وغلت الأسعار عند ابن الزبير حتى ذبح فرسه ، وقسّم لحمه في أصحابه ، وبيعت الدجاجة بعشرة دراهم والمدّ الذرة بعشرين درهما ، وكانت بيوت ابن الزبير مملوءة قمحا وشعيرا وذرة وتمرا ، وكان أهل الشام ينتظرون فناء ما عنده ، فكان لا ينفق منه إلَّا ما يمسك الرّمق ويقول : نفوس أصحابي قويّة ما لم تفن . فلما كان قبيل مقتله تفرّق الناس عنه ، وخرجوا إلى الحجّاج بالأمان ، فخرج من عنده نحو عشرة آلاف . وكان ممن فارقه ابناه حمزة وخبيب ، أخذا لأنفسهما أمانا ، فقال عبد اللَّه لابنه الزّبير : خذ لنفسك أمانا كما فعل أخواك ، فو اللَّه إني لأحبّ بقاءكم . فقال : ما كنت لأرغب بنفسي عنك ، فقتل معه .
--> « 1 » في الكامل : حجارة المنجنيق بيده ، فوضعها فيه ، ورمى بها معهم .