النويري
126
نهاية الأرب في فنون الأدب
قال عبد الملك بن عمير : كنت مع عبد الملك بقصر الكوفة حين جئ برأس مصعب فوضعت بين يديه ، فرآني قد ارتعدت ، فقال لي : مالك ؟ فقلت : أعيذك باللَّه يا أمير المؤمنين ! كنت بهذا القصر بهذا الموضع مع عبيد اللَّه بن زياد فرأيت رأس الحسين رضى اللَّه عنه بين يديه ، ثم كنت فيه مع المختار بن أبي عبيد فرأيت رأس عبيد اللَّه بن زياد بين يديه ، ثم كنت مع مصعب فيه فرأيت رأس المختار بين يديه ، ثم رأيت رأس مصعب فيه بين يديك . فقام عبد الملك من مقامه ذلك ، وأمر بهدم ذلك الطاق الذي كنّا فيه ، وقال عبد الملك ابن مروان : متى تخلف قريش مثل المصعب ! ثم قال : هذا سيّد شباب قريش . فقيل له : أكان يشرب الطَّلا « 1 » ؟ فقال : لو علم المصعب أنّ الماء يفسد مروءته ما شربه حتى يموت عطشا . قال : وبعث عبد الملك برأس مصعب إلى أخيه عبد العزيز بن مروان بمصر ، فلما رآه وقد قطع السيف أنفه قال : رحمك اللَّه ، أما واللَّه لقد كنت من أحسنهم خلقا ، وأشدهم بأسا ، وأسخاهم نفسا . ثم سيّره إلى الشام فنصب بدمشق ، وأرادوا أن يطوفوا به في نواحي الشام ، فأخذته عاتكة بنت يزيد بن معاوية زوجة عبد الملك بن مروان ، فغسلته وطيبته ودفنته ، وقالت : أما رضيتم بما صنعتم حتى تطوفوا به المدن ! هذا بغى . وكان عمر مصعب حين قتل ستا وثلاثين سنة . ولما بلغ عبد اللَّه بن خازم مسير مصعب لقتال عبد الملك قال : أمعه عمر بن عبيد اللَّه بن معمر ؟
--> « 1 » الطلاء : الخمر .