النويري

78

نهاية الأرب في فنون الأدب

بعضنا أعلم بقتال بعض منك . وحمل القعقاع ، والزّمام مع زفر بن الحارث الكلابىّ ، وكان آخر من أخذ الخطام ، فلم يبق شيخ من بنى عامر إلَّا أصيب قدّام الجمل ، وزحف القعقاع إلى زفر بن الحارث ، وقال لبجير بن دلجه - وهو من أصحاب علىّ - : يا بجير صح بقولك فليعقروا الجمل قبل أن يصابوا أو تصاب أمّ المؤمنين . فقال بجير : « يا آل ضبّة ، يا عمرو بن دلجة ، ادع بي إليك » فدعاه ، فقال : أنا آمن حتّى أرجع عنكم ؟ . قالوا : نعم . فاجتثّ ساق البعير ، فرمى بنفسه على شقّه وجرجر [ 1 ] البعير ، قال القعقاع لمن يليه : أنتم آمنون واجتمع هو وزفر على قطع بطان [ 2 ] الجمل وحملا الهودج فوضعاه ، وإنه كالقنفذ لما فيه من السّهام ، ثم أطافا به ، وفرّ من وراء ذلك من الناس . فلمّا انهزموا أمر علىّ مناديا فقال : ألا لا تتبعوا مدبرا ، ولا تجهزوا على جريح [ 3 ] ولا تدخلوا الدّور . وأمر علىّ نفرا أن يحملون الهودج من بين القتلى ، وأمر أخاها محمد بن أبي بكر أن يضرب عليها قبّة ، وقال انظر : هل وصل إليها شئ من جراحة ؟ فأدخل رأسه هودجها ، فقالت : من أنت ؟ فقال : أبغض أهلك إليك . قالت ابن الخثعميّة [ 4 ] ؟ قال : نعم . قالت : الحمد للَّه الذي عافاك .

--> [ 1 ] جرجر البعير : ردد صوته في حنجرته . [ 2 ] بطان الجمل : الحزام الذي يجعل تحت بطنة . [ 3 ] أي : لا يقتل من صرع وجرح منهم . [ 4 ] الخثعمية : أسماء بنت عميس الخثعمية ، وهى أخت ميمونه زوج النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، وكانت أسماء من المهاجرات إلى الحبشة ، وهى إذ ذاك زوج جعفر بن أبي طالب ، فولدت له هناك محمد بن جعفر وعبد اللَّه وعونا . ثم هاجرت معه إلى المدينة ، فلما قتل جعفر يوم مؤتة تزوجها أبو بكر الصديق فولدت له محمدا هذا ، ثم مات عنها أبو بكر فتزوجها علي بن أبي طالب فولدت له يحيى بن علي ، وقد ثبت أنها ولدت محمد بن أبي بكر في طريق المدينة إلى مكة في حجة الوداع ، كما في حديث جابر الطويل في صحيح مسلم ، ثم نشأ محمد بن أبي بكر في حجر علي بن أبي طالب ، إذ تزوج على أمه ، ثم كان موقفه ، في موقعة الجمل مع أخته عائشة ما ذكره للؤلف ، وسيذكر - فيما بعد - ولايته لمصر ومقتله وأن « عائشة رضى اللَّه عنها جزعت عليه جزعا شديدا » .