النويري

68

نهاية الأرب في فنون الأدب

فردّ أهل البصرة أولئك الكوفيين إلى عسكرهم ، فسمع علىّ وأهل الكوفة الصّوت - وقد وضع السّبئيّة رجلا قريبا منه - فلما قال علىّ ما هذا قال ذلك الرجل : ما شعرنا إلَّا وقوم منهم قد بيّتونا فرددناهم فوجدنا القوم على رجل ، فركبوا ، وثار الناس ، فأرسل علىّ صاحب الميمنة إلى الميمنة ، وصاحب الميسرة إلى الميسرة ، وقال : لقد علمت أنّ طلحة والزّبير غير منتهيين حتّى يسفكا الدماء وأنهما لن [ 1 ] يطاوعانا . والسّبئيّة لا تفتر ، ونادى علىّ في الناس : كفّوا فلا شئ ! . وكان من رأيهم جميعا في تلك الفتنة ألَّا يقتتلوا حتّى يبدؤا ( يطلبون بذلك الحجّة ) وألَّا يقتلوا مدبرا ، ولا يجهزوا على جريح ، ولا يستحلَّوا سلبا ، ولا يرزؤا بالبصرة سلاحا ولا ثيابا ولا متاعا . وأقبل كعب بن سور حتى أتى عائشة فقال : « يا أمّ المؤمنين ، أدركى الناس ، فقد أبى القوم إلَّا القتال ، لعلّ اللَّه يصلح [ 2 ] بك » . فركبت وألبسوا هودجها الأدراع ، فلما برزت من البيوت وهى على الجمل وكانت بحيث تسمع الغوغاء وقفت ، واقتتل الناس وقاتل الزّبير ، فحمل عليه عمّار بن ياسر ، فجعل يحوزه [ 3 ] بالرّمح والزّبير كافّ عنه ، وقال له : أتقتلني يا أبا اليقظان [ 4 ] ؟ قال [ 5 ] : لا يا أبا عبد اللَّه ! وإنّما كفّ الزّبير عنه لقول رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم « تقتل عمّار بن ياسر الفئة الباغية » ، ولولا ذلك لقتله .

--> [ 1 ] كذا جاء عند ابن جرير 3 ص 518 ، وابن الأثير ج 3 ص 124 ، وجاء في المخطوطة « لم » . [ 2 ] كذا جاء في رواية ابن جرير . وجاء في المخطوطة : « أن يصلح » . [ 3 ] يحوزه : يسوقه . [ 4 ] أبو اليقظان : كنية عمار بن ياسر . [ 5 ] كذا جاء في رواية ابن جرير ، وجاء في المخطوطة : « فيقول » .