النويري
504
نهاية الأرب في فنون الأدب
قد اختبرنا أباك فلم نجد عنده ولا عندك مكافأة ، وما أدرى كيف أتأتّى لك إن أخرجتك نهارا أخاف أن تقتل وأقتل ، ولكني أقيم معك إلى الليل ، ثم أردفك خلفي لئلَّا نعرف ، فقال عبيد اللَّه ، نعم ما رأيت ، فأقام عنده ، فلمّا كان الليل حمله خلفه ، وكان في بيت المال تسعة عشر ألف ففرّق ابن زياد بعضها في مواليه ، وادّخر الباقي لآل زياد ، قال : وسار الحارث بعبيد اللَّه ، فكان يمرّ به على الناس وهم يتحارسون مخافة الحروريّة ، حتّى انتهوا إلى بنى ناجية ، فقال بنوا ناجية : من أنت ؟ قال : الحارث بن قيس . وعرف رجل منهم عبيد اللَّه ، فقال : ابن مرجانة ! وأرسل سهما فوقع في عمامته ومضى به الحارث حتّى أنزله في داره بالجهاضم ؛ فقال له ابن زياد : « يا حارث ، إنك قد أحسنت ، فاصنع ما أشير به عليك . قد علمت منزلة مسعود بن عمرو ، وشرفه وسنّه ، وطاعة قومه له . فهل لك أن تذهب بي إليه فأكون في داره ، فهي وسط الأزد ؟ فإنك إن لم تفعل فرّق عليك أمر قومك ، فأخذه الحارث فدخلا على مسعود فلم يشعر حتّى رآهما ، فقال للحارث : أعوذ باللَّه من شر ما طرقتنى به ، قال : ما طرقتك إلَّا بخير ، ولم يزل الحارث يلطف بمسعود في أمره حتّى قال له : أتخرجه من بيتك بعد ما دخله عليك ؟ ! فأمره مسعود فدخل بيت أخيه عبد الغافر بن عمرو ، ثم ركب مسعود من ليلته ومعه الحارث وجماعة من قومه ، فطافوا بالأزد فقالوا : إن ابن زياد قد فقد ، وإنا لا نأمن أن تلطخوا به . فأصبحوا في السلاح ، وفقد الناس بن زياد فقالوا : ما هو إلا في الأزد . [ وقيل : إن الحارث لم يكلم