النويري

444

نهاية الأرب في فنون الأدب

فو اللَّه لا تنال شفاعة محمد قوما هراقوا دماء ذرّيّته وأهل بيته وقتلوا من نصرهم وذبّ عن حريمهم ! » فأتاه رجل من قبل الحسين فقال له : « إن أبا عبد اللَّه يقول لك : أقبل ، فلعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح قومه وأبلغ في الدعاء [ 1 ] لقد نصحت لهؤلاء وأبلغت لو نفع الصلح والإبلاغ ! » . قال : ولمّا زحف عمر بن سعد إلى الحسين أتاه الحرّ بن يزيد فقال له : « أصلحك اللَّه ، أمقاتل أنت هذا الرجل ؟ ! » قال : « إي واللَّه ، قتالا أيسره أن تسقط الرؤس وتطيح الأيدي ! » قال : أفما لكم في واحدة من الخصال التي عرض عليكم رضى ؟ قال عمر : « أما واللَّه لو كان الأمر لي لفعلت ! ولكنّ أميرك قد أبى ذلك » . فأخذ الحرّ يدنو من الحسين قليلا قليلا ، وأخذته رعدة ، فقال له رجل من قومه يقال له « المهاجر بن أوس » . [ ما تريد يا ابن يزيد ؟ أتريد أن تحمل ؟ فسكت ، وأخذه مثل العرواء [ 2 ] ، فقال له : ] [ 3 ] « يا ابن يزيد ، إنّ أمرك لمريب ! واللَّه ما رأيت منك في موقف قطَّ مثل شئ أراه الآن ! ولو قيل لي : من أشجع أهل الكوفة رجلا ؟ ما عدوتك ! فما هذا الذي أرى منك ؟ » فقال له : « إني - واللَّه - أخيّر نفسي بين الجنة والنار ، واللَّه لا أختار على الجنة شيئا ولو قطَّعت وحرّقت ! » .

--> [ 1 ] يشير إلى قول اللَّه تعالى : وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَه : أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ الله ، وقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ ، وإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْه كَذِبُه ، وإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ، إِنَّ الله لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ، يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الأَرْضِ ، فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ الله إِنْ جاءَنا . . . ) * انظر الآية 28 وما بعدها في سورة غافر . [ 2 ] العرواء : مس الحمى . [ 3 ] الزيادة من تاريخ الطبري ج 4 ص 325 .