النويري

439

نهاية الأرب في فنون الأدب

بمسك ، فميث [ 1 ] في جفنة عظيمة ، ثم دخل الحسين ذلك الفسطاط واستعمل النّورة ، ثمّ خرج فركب دابّته ، ودعا بمصحف فوضعه أمامه ، ورفع يديه فقال : « اللهمّ أنت ثقفى في كلّ كرب ، ورجائي في كلّ شدّة ، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدّة ، كم من همّ يضعف فيه الفؤاد ، وتقلّ فيه الحيلة ، ويخذل فيه الصديق ، ويشمت فيه العدوّ أنزلته بك وشكوته إليك ، رغبة منّى إليك عمّن سواك ، ففرّجته وكشفته وكفيتنيه ، فأنت ولىّ كلّ نعمة ، وصاحب كلّ حسنة ، ومنتهى كلّ رغبة ! » . وأقبلوا نحو الحسين ، فنظروا إلى النار تضطرم في الحطب والقصب ، فقال شمر بن ذي الجوشن : يا حسين استعجلت النار في الدنيا قبل يوم القيامة . فقال له الحسين : يا ابن راعية المعزى أنت أولى بها صليّا ! . ثم ركب الحسين راحلته ، وحمل ابنه عليّا على فرسه « لاحق » . ذكر ما تكلم به الحسين رضى اللَّه عنه قبل إنشاب الحرب وما وعظ به الناس وما أجابوه وما تكلم به أصحابه وما أجيبوا به وخبر مقتله قال : ولما ركب الحسين راحلته نادى بأعلى صوته نداء يسمع جل الناس : أيها الناس ، اسمعوا قولي ، ولا تعجلونى حتّى أعظكم بما يحقّ لكم ، وحتّى أعتذر لكم من مقدمى عليكم ، فإن قبلتم عذرى وصدقتم قولي وأعطيتمونى النصف كنتم بذلك أسعد ولم يكن

--> [ 1 ] مائه : أذابه .