النويري
401
نهاية الأرب في فنون الأدب
من يطلب الذي تطلب إذا نزل به مثل الذي نزل بك لم يبك ، فقال : ما أبكى لنفسي ، ولكن أبكى لأهلى المنقلبين إليكم : أبكى للحسين وآل الحسين . ثم قال لمحمد بن الأشعث : « إني أراك تعجز [ 1 ] عن أماني ، فهل تستطيع أن تبعث من عندك رجلا يخبر الحسين بحالي ، ويقول له عنى : ليرجع بأهل بيته ولا يغره أهل الكوفة ، فإنهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل ؟ » فقال ابن الأشعث : واللَّه لأفعلنّ . وفعل [ 2 ] وأبى الحسين الرجوع . قال : وجاء محمد بمسلم إلى القصر فأجلسه على بابه [ 3 ] ودخل هو إلى ابن زياد فأخبره بأمانه ، فقال له : ما أنت والأمان ! ما أرسلناك لتؤمنه ، إنما أرسلناك لتأتينا به . قال : ولما جلس مسلم على باب القصر رأى جرّة فيها ماء بارد فقال اسقونى من هذا الماء ، فقال له مسلم بن عمرو الباهلي : أتراها ما أبردها ! واللَّه لا تذوق منها قطرة حتّى تذوق الحميم في نار جهنّم ! فقال له ابن عقيل : من أنت ؟ قال : « أنا من عرف الحقّ إذ أنكرته ، ونصح الأمة وإمامه إذ غششته ، وسمع وأطاع إذ عصيته ، أنا مسلم بن عمرو . فقال له ابن عقيل : لأمك الثّكل ،
--> [ 1 ] عند الطبري وابن الأثير : « ستعجز » . [ 2 ] دعا محمد بن الأشعث إياس بن العثل الطائي ، من بنى مالك بن عمرو بن ثمامة ، وكان شاعرا ، وكان لمحمد زوارا ، فقال له محمد : الق حسينا فأبلغه هذا الكتاب ، وكتب في الكتاب ما أمره به مسلم بن عقيل ، وأعطى لرسوله إياس زاده وجهازه وراحلته ومتعة لعياله ، فخرج الرسول ومضى أربع ليال حتى استقبل الحسين بموضع يسمى « زبالة » ، فأخبره الخبر وبلغه الرسالة فقال له الحسين : كل ما حم نازل وعند اللَّه نحتسب أنفسنا وفساد أمتنا . . وانظر ما سيأتي [ 3 ] وكان على باب القصر أناس ينتظرون الإذن ، منهم مسلم بن عمرو وعمارة بن عقبة ابن أبي معيط وعمرو بن حريث وكثير بن شهاب .