النويري

392

نهاية الأرب في فنون الأدب

اللَّه فجلس عند شريك وأطال ، فلما رأى شريك أن مسلما لا يخرج خشي أن يفوته ، فأخذ يقول : « ما تنظرون بسلمى أن تحيّوها ! اسقونيها [ 1 ] وإن كانت فيها نفسي ! » يقول ذلك مرّتين أو ثلاثا ، فقال عبيد اللَّه : « ما شأنه ؟ ترونه يخلط ! » فقال هانئ : « نعم ، ما زال هذا دأبه قبيل الصبح حتّى ساعته هذه » . فانصرف . وخرج مسلم ، فقال له شريك : ما منعك من قتله ؟ فقال : « أمران : أحدهما كراهية هانئ أن يقتل في منزله ، والثاني حديث حدّثه علىّ [ 2 ] رضى اللَّه عنه عن النبىّ صلى اللَّه عليه وسلم : « الإيمان قيد [ 3 ] الفتك فلا يفتك مؤمن » . فقال هانئ : لو قتلته لقتلت فاسقا فاجرا كافرا غادرا ! . ومات شريك بعد ذلك بثلاث ، فصلَّى عليه عبيد اللَّه ، فلمّا علم أنه كان يحرّض مسلما على قتله قال : واللَّه لا أصلَّى على جنازة عراقي أبدا ! . قال : وكان عبيد اللَّه بن زياد قد أعطى مولى [ 4 ] له ثلاثة آلاف درهم وأمره أن يتلطَّف في الدخول على مسلم بن عقيل وأصحابه ،

--> [ 1 ] كذا جاء في لأصل مثل الكامل ، وفى تاريخ الطبري ج 4 ص 271 « اسقنيها » . [ 2 ] ورواه أبو داود وأحمد وغيرهما عن أبي هريرة والزبير ومعاوية . [ 3 ] كذا جاء ضبطه في بعض كتب الحديث ، وضبط في مدة ( ف ت ك ) من نسخ النهاية لابن الأثير « قيد » بتشديد الياء مفتوحة ، وجاء في مادة ( ق ى د ) من النهاية : « قيد الإيمان الفتك ، أي أن الإيمان يمنع عن الفتك كما يمنع القيد عن التصرف ، فكأنه جعل الفتك مقيدا ومنه قولهم في صفة الفرس : هو قيد الأوابد » ، وكذلك جاء في لسان العرب . ويرى بعض العلماء أن الحديث « الإيمان قيد الفتك » أحسن من قول امرئ القيس « قيد الأوابد » انظر فيض القدير ج 3 ص 186 ، والفتك : أن يقتل الرجل جهارا آمنا غافلا . [ 4 ] اسمه « عقيل » .