النويري
330
نهاية الأرب في فنون الأدب
ذكر مقتل حجر بن عدي وعمرو بن الحمق وأصحابهما وفى هذه السنة كان مقتل حجر بن عدي وأصحابه ، وسبب ذلك أن معاوية لما استعمل المغيرة بن شعبة على الكوفة ، أمر بشتم علىّ رضى اللَّه عنه وذمّه والترحّم على عثمان والاستغفار له وعيب أصحاب على ، فأقام المغيرة على الكوفة وهو أحسن الناس سيرة ، غير أنه لا يدع شتم علىّ والوقوع فيه ، والدعاء لعثمان والاستغفار له ، فلما سمع ذلك حجر بن عدىّ قال : بل إياكم قد ذمّ اللَّه ولعن ! ثم قام فقال : أنا أشهد أن من تذمّون أحقّ بالفضل ، ومن تزكَّون أولى بالذم ! فيقول له المغيرة يا حجر اتق هذا السلطان وغضبه وسطوته ، فإن غضب السلطان يهلك أمثالك . ثم يكفّ عنه . فلما كان في آخر إمارته قال في علىّ وعثمان ما كان يقول ، فقام حجر فصاح بالمغيرة صيحة سمعها كلّ من في المسجد ، وقال له : « مر لنا أيّها الإنسان بأرزاقنا فقد حبستها عنا ، وليس ذلك لك ، وقد أصبحت مولعا بذم أمير المؤمنين » . فقام أكثر من ثلثي الناس يقولون : صدق حجر وبرّ ، مر لنا بأرزاقنا ! فنزل المغيرة ودخل القصر ، فجاءه أصحابه وقالوا : علام تترك هذا الرجل يجترئ عليك في سلطانك ؟ فقال لهم : « قد قتلته ، سيأتي بعدى أمير يحسبه مثلي ، فيصنع به ما ترونه ، فيقتله ، إني قد قرب أجلى ، ولا أحبّ أن أقتل خيار أهل هذه المصر فيسعد وأشقى ، ويعز في الدنيا معاوية ويشقى في الآخرة المغيرة ! [ 1 ] » ثمّ توفّى المغيرة [ 2 ] .
--> [ 1 ] جاء في رواية ابن جرير ج 4 ص 189 زيادة قول المغيرة : « ولكني قابل من محسنهم ، وعاف عن مسيئهم : وحامد حليمهم ، وواعظ سفيههم حتى يفرق بيني وبينهم الموت . [ 2 ] ذكر ابن جرير أن المغيرة ولى الكوفة سنة 41 وتوفى سنة 51 .