النويري
315
نهاية الأرب في فنون الأدب
وقيل : إنّه لمّا قدم العراق خطب ، فحمد اللَّه وأثنى عليه ، ثم قال : « إنّ معاوية غير مخوف على قومه ، ولم يكن ليلحق بنسبه من ليس منه ، وقد شهدت الشهود بما قد بلغكم ، والحقّ أحقّ أن يتّبع ، واللَّه حيث وضع البينات كان أعلم ، وقد رحلت عنكم وأنا أعرف صديقي من عدوّى ، وقد قدمت عليكم ، وصار العدوّ صديقا مناصحا ، والصديق عدوا مكاشحا ، فاشتمل كلّ امرئ على ما في صدره ، فلا يكوننّ لسانه شفرة تجرى على ودجه ، وليعلم أحدكم إذا خلا بنفسه أنى قد حملت سيفي بيده ، فإن شهره لم أغمده ، وإن أغمده لم أشهره » . ثم نزل . واستعمل على شرطته عبد اللَّه بن حصن . . وأجّل الناس حتّى بلغ الخبر الكوفة وعاد إليه وصول الخبر ، وكان يؤخر العشاء الآخرة ، ثم يصلَّى ويأمر رجلا فيقرأ سورة البقرة أو مثلها يرتّل القرآن ، فإذا فرغ أمهل بقدر ما يرى أنّ إنسانا يبلغ أقصى البصرة ، ثم يأمر صاحب شرطته بالخروج فيخرج فلا يرى إنسانا إلا قتله . فخرج ذات ليلة ، فأخذ أعرابيا ، فأتى به زيادا ، فقال : هل سمعت النداء ؟ قال : « لا واللَّه قدمت بحلوبة لي ، وغشيني الليل ، فاضطررتها إلى موضغ ، وأقمت لأصبح ، ولا علم لي بما كان من الأمير » . قال : أظنك واللَّه صادقا ولكن في قتلك صلاح الأمة . ثم أمر به فضربت عنقه . وكان زياد أول من شدّد أمر السلطان ، وأكد الملك لمعاوية ، وجرّد السيف ، وأخذ على الظَّنة ، وعاقب بالشّبهة ، وخافه الناس خوفا شديدا ، حتّى أمن بعضهم بعضا ، وحتى كان الشئ يسقط من الرجل