النويري
142
نهاية الأرب في فنون الأدب
إن كان جارك ليأمن بوائقك [ 1 ] ، وإن كنت لمن الذاكرين اللَّه كثيرا ! أوصني رحمك اللَّه ! » قال : « أوصيك بتقوى اللَّه ، وأن تناصح أمير المؤمنين ، وتقاتل معه المخلين [ 2 ] ، حتّى يظهر أو يلحق باللَّه ، وأبلغه عنّى السلام وقل له : قاتل على المعركة حتّى تجعلها خلف ظهرك ، فإنه من أصبح غدا والمعركة خلف ظهره كان العالي » . ثمّ لم يلبث أن مات ، فأقبل الأسود إلى علىّ فأخبره ، فقال : « رحمه اللَّه ! جاهد عدوّنا في الحياة ، ونصح لنا في الوفاة ! » . . وقيل : إن الذي أشار على علىّ بهذا عبد الرحمن بن حنبل الجمحي . قال : فاقتتل الناس تلك الليلة كلَّها إلى الصباح ، وهى ليلة الهرير ، فتطاعنوا حتى تقصّفت الرّماح ، وتراموا حتى نفد النّبل ، وأخذوا السيوف ، وعلى يسير بين الميمنة والميسرة ، ويأمر كلّ كتيبة أن أن تقدّم على التي تليها ، فلم يزل يفعل ذلك حتّى أصبح ، والمعركة كلَّها خلف ظهره ، والأشتر في الميمنة ، وابن عباس ، في الميسرة وعلىّ في القلب ، والناس يقتتلون من كل جانب ( وذلك يوم الجمعة ) وأخذ الأشتر يزحف بالميمنة ، وكان قد تولاها عشيّة الخميس وليلة الجمعة إلى ارتفاع الضحى ، وهو يقول لأصحابه : ازحفوا قيد [ 3 ] هذا الرمح . ويزحف بهم نحو أهل الشام ، فإذا فعل ذلك
--> [ 1 ] روى مسلم في صحيحه ج 2 ص 17 عن أبي هريرة أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه » قال ابن الأثير في النهاية : أي : غوائله وشروره ، واحدها بائقة وهى الداهية . [ 2 ] كذا جاء في المخطوطة بالخاء المعجمة ، وجاء عند ابن جرير وابن الأثير ( المحلين ) بالحاء المهملة . [ 3 ] قيد : قدر .