النويري

30

نهاية الأرب في فنون الأدب

الرحمن ، وخلع الأوثان ، فما آمن به من قومه إلَّا رجال قليل ؛ واللَّه ما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسوله ، ولا أن يعزّوا دينه ، ولا أن يدفعوا عن أنفسهم فيما عمّوا به ؛ حتى إذا أراد بكم الفضيلة ؛ ساق إليكم الكرامة ، وخصّكم بالنعمة ، ورزقكم الإيمان به وبرسوله ، والمنع له ولأصحابه ، والإعزاز له ولدينه ، والجهاد لأعدائه . فكنتم أشدّ الناس على عدوّه من غيركم ؛ حتى استقامت العرب لأمر اللَّه طوعا وكرها ، وأعطى البعيد المقادة صاغرا داخرا [ 1 ] ؛ وحتى أثخن [ 2 ] اللَّه لرسوله بكم الأرض ، ودانت بأسيافكم له العرب . وتوفّاه اللَّه إليه وهو عنكم راض ، وبكم قرير العين . استبدّوا بهذا الأمر دون النّاس ؛ فإنه لكم دون الناس . فأجابوه بأجمعهم ، أن قد وفّقت في الرأي ، وأصبت في القول ، ولن نعدو ما رأيت ؛ نولَّيك هذا الأمر ؛ فإنك فينا رفيع ، ولصالح المؤمنين رضا . ثم إنهم ترادّاوا الكلام ، فقالوا : فإن أبت مهاجرة قريش ؟ فقالوا : نحن المهاجرون وصحابة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم الأولون . ونحن عشيرته وأولياؤه ؛ فعلام تنازعوننا الأمر من بعده ؟ فقالت طائفة منهم : فإنا نقول إذا فمنّا أمير ومنكم أمير ، ولن نرضى بدون هذا أبدا . فقال سعد بن عبادة حين سمعها : هذا أول الوهن ! وأتى عمر رضى اللَّه عنه الخبر ، فأقبل إلى منزل النبىّ صلَّى اللَّه

--> [ 1 ] داخرا ، أي ذليلا . [ 2 ] أثخن : أو غل .