النويري
52
نهاية الأرب في فنون الأدب
فقال : واللَّه لقد كنت آليت ألَّا انتهى حتّى تتبع العرب عقبى ، وأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش ! ثم قال لأربد بن قيس : إذا قدمنا على الرجل فإني سأشغل عنك وجهه ، فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف . فلما قدموا على رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال عامر بن الطَّفيل . يا محمد ، خالَّنى « 1 » . قال : « لا واللَّه حتى تؤمن باللَّه وحده » ، فجعل يكرر هذا القول ورسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يعيد عليه مقالته ، وهو في ذلك ينتظر من أربد ما أمره به ، فلم يصنع أربد شيئا ، وكان آخر ما قال لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : أما واللَّه لأملأنّها عليك خيلا ورجلا ، فلما ولَّى قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « اللهم اكفنى عامر ابن الطَّفيل » فلما خرجوا من عنده قال عامر لأربد : ويلك ! أين ما كنت أمرتك به ؟ واللَّه ما كان على ظهر الأرض رجل هو أخوف عندي على نفسي منك ، وأيم اللَّه لا أخافك بعد اليوم أبدا . قال له أربد : لا أبا لك ! لا تعجل علىّ ، واللَّه ما هممت بالذي أمرتني به من أمره إلا دخلت بيني وبين الرجل ، حتى لا أرى غيرك ! أفأضربك بالسيف ! قال : وخرجوا راجعين إلى بلادهم ، حتى إذا كانوا ببعض الطريق ، بعث اللَّه على عامر بن الطَّفيل الطاعون في عنقه ، فمال إلى بيت امرأة من بنى سلول ، فجعل يقول : يا بنى عامر ، غدّة كغدّة البكر ، وموت في بيت سلوليّة « 2 » ! قال : ومات فواراه أصحابه ، وخرجوا حتى قدموا أرض بنى عامر ، فأتاهم قومهم فقالوا : ما وراءك يا أربد ؟ فقال : لا شئ ، واللَّه لقد
--> « 1 » خالنى ، بتشديد اللام ، اتخذني خليلا وصاحبا ، من المخالفة وهى الصداقة . ومن رواه بتخفيف اللام : فهو بمعنى تفرد لي خاليا حتى أتحدث معك . ( شرح سيرة ابن هشام لأبى ذر ) . « 2 » الغدّة : طاعون الإبل ، والبكر : الفتى منها . وإنما تأسف عامر أن لم يمت في ميدان القتال كما يموت الشجعان ، كما تأسف أيضا على موته في بيت سلولية ؛ لأن بنى سلول موصوفون عندهم باللؤم .