النويري
14
نهاية الأرب في فنون الأدب
فعرض علىّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم الإسلام ، وتلا علىّ القرآن ، فلا واللَّه ما سمعت قولا قطَّ أحسن منه ، ولا أمرا أعدل منه ، فأسلمت ، وشهدت شهادة الحقّ ، فقلت : يا نبىّ اللَّه ! إني امرؤ مطاع في قومي ، وأنا راجع إليهم فداعيهم إلى الإسلام ، فادع اللَّه أن يجعل لي آية تكون لي عونا عليهم فيما أدعوهم إليه . فقال : « اللهم اجعل له آية » ، فخرجت إلى قومي ، حتى إذا كنت بثنيّة تطلعنى على « 1 » الحاضر وقع نور بين عيني مثل المصباح ؛ قلت : اللهم في غير وجهي ! إنّى أخشى أن يظنوا أنها مثلة وقعت في وجهي لفراقى دينهم ، قال : فتحوّل النّور فوقع في رأس سوطى ، فجعل الحاضر يتراؤن ذلك النّور في سوطى كالقنديل المعلَّق ، وأنا أهبط إليهم من الثّنية حتى جئتهم ، فأصبحت فيهم ، قال : فلما نزلت أتاني أبى وكان شيخا كبيرا ، فقلت : إليك عنّى يا أبت ، فلست منك ولست منّى ، قال : لم يا بنىّ ؟ قلت : أسلمت وتابعت دين محمد ، قال : أي بنىّ ! فدينى دينك ، قلت : فاذهب واغتسل ، وطهّر ثيابك ، ثم تعال حتى أعلَّمك مما علَّمت ، فذهب فاغتسل وطهّر ثيابه ثم جاء ، فعرضت عليه الإسلام فأسلم ، ثم أتتني صاحبتي ، فقلت : إليك عنّى فلست منك ولست منّى ، قالت : لم ؟ بأبى أنت وأمّى ! قلت : فرّق بيني وبينك الإسلام ، وتابعت دين محمد عليه السلام . قالت : فدينى دينك ، قلت : فاذهبي إلى حنا ذي الشّرى « 2 » - قال ابن هشام : ويقال حمى ذي الشّرى - فتطهّرى منه .
--> « 1 » الحاضر والحاضرة : الحي العظيم . « 2 » في ابن سعد : فاذهبي إلى حسى ذي الشرى بكسر الحاء وإسكان السين . وهو سهل من الأرض يستنقع فيه الماء . والحمى : ماء حموه للصنم ، ولعل الحنا هو الحمى بابدال الميم نوتا أو من محنية الوادي .