النويري
60
نهاية الأرب في فنون الأدب
ما علمت بشئ حتى سمعت ما سمعتم ، إنه يجير على المسلمين أدناهم » . ثم انصرف رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ودخل على ابنته وقال : « أي بنيّة ، أكرمي مثواه ، ولا يخلص إليك فإنك لا تحلَّين له » . قال : وبعث رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إلى السريّة الذين أصابوا مال أبى العاص فقال لهم : « إن هذا الرجل منّا حيث قد علمتم ، وقد أصبتم له مالا ، فإن تحسنوا وتردّوا عليه الذي له فإنّا نحب ذلك ، وإن أبيتم فهو فىء اللَّه الذي أفاء عليكم ، فأنتم أحقّ به » . قالوا : يا رسول اللَّه ، بل نردّه عليه ، فردّوه عليه ، حتى إنّ الرجل ليأتي بالدّلو ، ويأتي الرجل بالشّتّة « 1 » والإداوة « 2 » ، حتى إنّ أحدهم ليأتي بالشّظاظ « 3 » ، حتى ردّوا عليه ماله بأسره لم يفقد منه شيئا ، ثم احتمل إلى مكة ، فأدّى إلى كلّ ذي مال من قريش ماله ، ثم قال : يا معشر قريش ، هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه ؟ قالوا : لا ، فجزاك اللَّه خيرا ، فقد وجدناك وفيّا كريما ؛ قال : فإني أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا عبده ورسوله ، ما منعني من الإسلام عنده إلا تخوّف أن يظنّوا أنى إنما أردت أن آكل أموالكم ، فلما أدّاها اللَّه إليكم وفرغت منها أسلمت . ثم خرج حتى قدم على رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، فردّ عليه رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم زينب على النكاح « 4 » الأوّل ، ولم يحدث شيئا .
--> « 1 » الشنة : السقاء البالي . « 2 » الإداوة : إناء صغير من جلد . « 3 » الشظاظ : خشية عقفاء تدخل في عروتى الجوالقين ، والجمع أشظة . « 4 » قال في الروض الأنف 2 : 83 : « وذكر عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ردّ زينب على أبى العاص على النكاح الأوّل ، لم يحدث شيئا بعد ست سنين . ويعارض هذا الحديث ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ردها عليه بنكاح جديد . وهذا الحديث هو الذي عليه العمل ، وإن كان حديث داود بن الحصين أصح إسنادا عند أهل الحديث ؛ ولكن لم يقل به أحد من الفقهاء فيما علمت ، لأن الإسلام قد كان فرق بينهما ، قال اللَّه تعالى : « لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ ولا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ » ومن جمع بين الحديثين قال في حديث ابن عباس : معنى ردها عليه على النكاح الأوّل أي على مثل النكاح الأوّل في الصداق والحباء ، لم يحدث زيادة على ذلك من شرط ولا غيره » .