النويري
21
نهاية الأرب في فنون الأدب
من ماء بدر نزل به ، فأتاه الحباب بن المنذر بن الجموح فقال : يا رسول اللَّه ، هذا المنزل منزل أنزلكه اللَّه ، ليس لنا أن نتقدّمه ، ولا نتأخر عنه ، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « بل الرأي والحرب والمكيدة » . قال يا رسول اللَّه : فإن هذا ليس بمنزل ، فانهض بالناس حتى تأتى أدنى ماء من القوم فنزله ، ثم نعوّر « 1 » ما وراءه من القلب ، ثم نبتنى عليه حوضا فنملأه ماء ، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون ، فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « لقد أشرت بالرأي » ، فنهض بالناس وسار حتى [ إذا « 2 » ] أتى أدنى ماء من القوم ، نزل عليه ؛ ثم أمر بالقلب فعوّرت ، وبنى حوضا على القليب الذي نزل عليه ، فملئ ماء ، ثم قذفوا فيه الآنية . فقال سعد بن معاذ : يا نبىّ اللَّه ، نبتنى لك عريشا « 3 » تكون فيه ، وتكون عندك ركائبك ، ثم نلقى عدوّنا ، فإن أعزّنا اللَّه وأظهرنا على عدوّنا كان ذلك ما أحببنا ، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك ، فلحقت بمن وراءنا من قومنا ، فقد تخلَّف عنك أقوام ما نحن بأشدّ لك حبّا منهم ، ولو ظنّوا أن تلقى حربا ما تخلَّفوا عنك ، يمنعك اللَّه بهم يناصحونك ويجاهدون معك ؛ فأثنى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عليه خيرا ، ثم بنى لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عريش ، فمكان فيه . قال : وارتحلت قريش حين أصبحت فأقبلت ، فلمّا رآها رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : « اللَّهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها « 4 » وفخرها ، تحادّك « 5 » وتكذّب رسولك ، اللهم فنصرك الذي وعدتني ، اللهم أحنهم « 6 » الغداة . »
--> « 1 » نعور القلب : ندفنها . « 2 » عن سيرة ابن هشام . « 3 » العريش : شبه الحيمة يستظل به . « 4 » الخيلاء : الكبر والإعجاب . « 5 » تحادّك : تعاديك . « 6 » أحنهم : أي أهلكهم .