النويري
8
نهاية الأرب في فنون الأدب
تركتموهم في هذه الليلة ليدخلنّ الحرم فليمتنعنّ منكم به ، وإن قتلتموهم لتقتلنّهم في الشهر الحرام . فتردّد القوم وهابوا الإقدام عليهم ، ثم شجّعوا أنفسهم وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم ؛ فخرج واقد بن عبد اللَّه يقدم المسلمين ، فرمى عمرو بن الحضرمىّ بسهم فقتله ، واستأسر عثمان بن عبد اللَّه ، والحكم بن كيسان ، وأفلت نوفل « 1 » بن عبد اللَّه فأعجزهم . وأقبل عبد اللَّه وأصحابه بالعير والأسيرين حتى قدموا على رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . فلما قدموا عليه قال : ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام . ووقّف العير والأسيرين ، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا ؛ فأسقط « 2 » في يد القوم ، وظنوا أنهم قد هلكوا ، وعنّفهم المسلمون فيما صنعوا . وقالت قريش : قد استحلّ محمد وأصحابه الشهر الحرام ، وسفكوا فيه الدّم ، وأخذوا فيه الأموال « 3 » ، وأسروا الرجال ؛ وأكثر الناس في ذلك ، فأنزل اللَّه تعالى : * ( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيه ، قُلْ قِتالٌ فِيه كَبِيرٌ وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ الله وكُفْرٌ بِه والْمَسْجِدِ الْحَرامِ وإِخْراجُ أَهْلِه مِنْه أَكْبَرُ عِنْدَ الله والْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ) * أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدّوكم عن سبيل اللَّه وعن المسجد الحرام ، وإخراجكم منه وأنتم أهله أكبر عند اللَّه من قتل من قتلتم منهم . * ( والْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ) * ؛ أي قد كانوا يفتنون المسلمين في دينهم حتى يردّوهم إلى الكفر بعد إيمانهم ، فذاك أكبر عند اللَّه من القتل .
--> « 1 » في سيرة ابن هشام : ح 2 ص 254 : « وأقلت القوم نوفل » . « 2 » أسقط في يد القوم : « زلوا وأخطئوا وندموا وتحيروا » . « 3 » في ح : « وأخذوا الأموال » .