النويري

84

نهاية الأرب في فنون الأدب

فو اللَّه إنه بعد مقدمنا بأشنهر مع أخيه لفى بهم « 1 » لنا خلف بيوتنا إذ أتانا أخوه يشتدّ « 2 » ، فقال لي ولأبيه : ذاك أخي القرشىّ قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه فشقّا بطنه ، فهما يسوطانه « 3 » ، قالت « 4 » : فخرجت أنا وأبوه نحوه ، فوجدناه قائما منتقعا « 5 » وجهه ، فالتزمته والتزمه أبوه ، فقلنا : مالك يا بنىّ ؟ قال : جاءني رجلان عليهما ثياب بيض ، فأضجعانى فشقّا بطني ، فالتمسا فيه شيئا لا أدرى ما هو ؟ قالت : فرجعنا إلى خبائنا ، فقال لي أبوه : يا حليمة ، لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب ، فألحقيه بأهله قبل أن يظهر ذلك به ، قالت : فاحتملناه فقدمنا به على أمّه ، فقالت : ما أقدمك يا ظئر وقد كنت حريصة عليه وعلى مكثه عندك ؟ فقلت : قد بلغ اللَّه بابنى ، وقضيت الذي علىّ ، وتخوّفت الأحداث عليه ، فأدّيته عليك « 6 » كما تحبيّن ، قالت : ما هذا شأنك فاصدقينى خبرك ! فلم تدعني حتى أخبرتها ؛ قالت : أفتخوّفت عليه الشيطان ؟ قلت نعم . قالت كلَّا واللَّه ! ما للشيطان عليه من سبيل ، وإن لبنىّ لشأنا ، أفلا أخبرك خبره ؟ قلت : بلى ! قالت : رأيت حين حملت به أنه خرج منّى نور أضاء له قصور بصرى « 7 » من من أرض الشام ، ثم حملت به ، فو اللَّه ما رأيت من حمل قطَّ كان أخفّ ولا أيسر منه ، ووقع حين ولدته وإنه لواضع يديه بالأرض ، ورافع رأسه إلى السّماء ؛ دعيه عنك وانطلقى راشدة . هكذا نقل ابن هشام في سيرته عن ابن إسحاق .

--> « 1 » البهم : الصغار من أولاد الضأن . « 2 » اشتد في عدوه : أسرع . « 3 » في السيرة الحلبية 1 : 93 : « يسوطانه : يدخلان يديهما في بطنه » ، وفى شرح الخشني 1 : 56 : « يقال سطت اللبن أو الدم أو غيرهما أسوطه : إذا ضربت بعضه ببعض ، واسم العود الذي يضرب به السوط » . « 4 » في الأصل : « قال : فخرجت » ، والمثبت عن سيرة ابن هشام 1 : 174 . « 5 » انتقع لونه : تغيرت جلدة وجهه من خوف أو مرض ، وذهب دمه . « 6 » في سيرة ابن هشام 1 : 174 : « فأديته إليك » . « 7 » في الأصل : « أضاء له قصرى وبصرى من أرض الشام » ، والمثبت عن شرح المواهب 1 : 150 ؛ وفى سيرة ابن هشام 1 : 174 : « أضاء لي قصور بصرى » .