النويري
82
نهاية الأرب في فنون الأدب
قال الواقدي : إنهن كنّ عشرا ، قالت : في سنة شهباء « 1 » لم تبق شيئا « 2 » ، فخرجت على أتان . لي قمراء « 3 » معنا شارف « 4 » لنا ، واللَّه ما تبصّ « 5 » بقطرة ، وما تنام لنا ليلتنا أجمع مع صبيّنا الذي معي « 6 » من بكائه من الجوع ، ما في ثديىّ ما يغنيه ، وما في شارفنا ما يغذّيه ، ولكنا نرجو « 7 » الغيث والفرج ، فخرجت على أتاني تلك ، فلقد أذمّت « 8 » بالرّكب حتى شقّ ذلك عليهم ضعفا وعجفا « 9 » حتى قدمنا مكة ، فما منّا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فتأباه إذا قيل لها إنه يتيم ، وذلك أنا كنا « 10 » نرجو المعروف من أبى الصّبىّ ؛ فكنا نقول : يتيم ، ما عسى أن تصنع أمّه وجدّه ؟ فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعا غيرى ، فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي : واللَّه إني لأكره أن أرجع من بين صواحبى ولم آخذ رضيعا ، واللَّه لأذهبنّ « 11 » إلى ذلك اليتيم فلآخذنّه ؛ قال : لا عليك أن تفعلي ، عسى اللَّه أن يجعل لنا فيه بركة . قالت « 12 » : فذهبت إليه فأخذته ، وما حملني على أخذه إلا أنى لم أجد غيره ؛ فلما أخذته رجعت به إلى رحلي ، فلما وضعته في حجري ، أقبل عليه ثدياى بما شاء اللَّه من لبن ، فشرب حتى روى ، وشرب معه
--> « 1 » شهباء : ذات جدب وقحط ، وانظر السيرة الحلبية 1 : 89 . « 2 » في سيرة ابن هشام 1 : 171 : « لم تبق لنا شيئا » . « 3 » أتان قمراء : لونها بياض فيه كدرة ، وفى السيرة الحلبية 1 : 89 : قمراء : شديدة البياض . « 4 » الشارف : الناقة المسنة . « 5 » ما تبض : ما ترشح بشئ . « 6 » في السيرة لابن هشام 1 : 171 ، وشرح المواهب 1 : 142 : « وما ننام ليلنا أجمع من صبينا الذي معنا » . « 7 » رواية ابن هشام 2 : 171 : « ولكنا كنا نرجو » . « 8 » في السيرة الحلبية 1 : 89 : أذمت بالذال المعجمة : أي جاءت بما تذم عليه ، وفى شرح السيرة للخشنى 1 : 55 : « ومن رواه أذمت فمعناه تأخرت بالركب أي تأخر الركب بسببها » . « 9 » العجف : انهزال . « 10 » ( 10 ) رواية ابن هشام 1 : 172 : « إنا إنما كنا » . « 11 » ( 11 ) في شرح المواهب 1 : 143 : « صواحبى ليس معي رضيع ، لأنطلقن إلى » . « 12 » ( 12 ) في سيرة ابن هشام 1 : 172 ، وشرح المواهب 1 : 143 : « قالت » ، ولعل تذكير الفعل على إرادة معنى الشخص .