النويري
47
نهاية الأرب في فنون الأدب
إليه قريش حين رأوا جدّه فقالوا : واللَّه لا نتركك تحفر بين وثنينا هذين اللذين ننحر عندهما ؛ فقال عبد المطَّلب لابنه الحارث : ذد عنّى حتى أحفر ، فو اللَّه لأمضينّ لما أمرت به ، فلمّا عرفوا أنه غير نازع « 1 » خلَّوا بينه وبين الحفر وكفّوا عنه ، فلم يحفر إلا يسيرا حتّى بدا له الطَّىّ ، فكبّر وعرف أنه قد صدق ، فلما تمادى به الحفر وجد فيها غزالين « 2 » من ذهب ، وهما الغزالان اللذان دفنت جرهم فيها حين خرجت من مكَّة ، ووجد فيها سيوفا قلعيّة « 3 » وأدراعا ، فقالت له قريش : لنا معك في هذا شرك « 4 » وحقّ ، قال : لا . ولكن هلم إلى أمر نصف « 5 » بيني وبينكم ؛ نضرب عليها بالقداح « 6 » ، قالوا : وكيف نصنع ؟ قال : أجعل للكعبة قدحين ، ولى قدحين ، ولكم قدحين ، فمن خرج قدحاه على شئ كان له ، ومن تخلَّف قدحاه فلا شئ له ، قالوا : أنصفت ، فجعل قدحين أصفرين للكعبة ، وقدحين أسودين له ، وقدحين أبيضين لقريش ، ثم أعطوها صاحب القداح الذي يضرب بها عند هبل ، وهبل صنم في جوف الكعبة ، وهو أعظم أصنامهم « 7 » ، وقام عبد المطَّلب يدعو ، وضرب « 8 » صاحب
--> « 1 » نزع عن الأمر : كف عنه ، وفى الزرقاني 1 : 95 : « غير تارك » . « 2 » في الأصل : « فيها عين البئر من ذهب » ، تحريف . « 3 » في سيرة ابن هشام 1 : 154 ، وابن الأثير 2 : 7 : « أسيافا قلعية » ، والقلعية نسبة إلى القلعة بفتح فسكون ، والمسمى بالقلعة موضعان أحدهما بالهند ، والثاني باليمن ، وإليهما معا تنسب السيوف القلعية وانظر تاج العروس ( قلع ) . وفى ابن سعد 1 : 50 ( قسم أول ) : « سيوفا قليعة وأظفارا » . « 4 » شرك : أي حصة ونصيب . « 5 » النصف : أن تعطى غيرك من الحق كالذي تأخذ لنفسك . « 6 » جمع قدح ( بكسر فسكون ) ؛ وهو سهم بغير نصل كانوا يستقسمون به ، وفى كيفية الاستقسام تفصيل تجده في كتاب الميسر والقداح لابن قتيبة ص 38 . « 7 » أنظر البداية والنهاية 2 : 187 ، 188 ، 191 . « 8 » في سيرة ابن هشام 1 : 155 : « يدعو اللَّه عز وجل ، فضرب » .