النويري

45

نهاية الأرب في فنون الأدب

والأرض إذ ذاك مفاوز ، فخرجوا « 1 » حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز والشّام ، فنى ماء عبد المطَّلب وأصحابه ، فظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة ، فاستسقوا من معهم من قبائل قريش فأبوا عليهم ، وقالوا : إنّا بمفازة ، ونحن نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم ؛ فلما رأى عبد المطَّلب ما صنع القوم ، وما يتخوّف على نفسه وأصحابه قال : ماذا ترون ؟ قالوا : ما رأينا إلا تبع رأيك « 2 » ، فمرنا بما شئت ، قال : فإني أرى أن يحفر كلّ رجل منكم حفرته لنفسه بما بكم الآن من القوّة ، فكلَّما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته ثم واروه ، حتى يكون آخركم رجلا [ واحدا « 3 » ] فيموت ضيعة « 4 » ، فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعا ، قالوا : نعم ما أمرت به . فقام كل رجل « 5 » منهم فحفر حفرته ، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشا ؛ ثم إن عبد المطَّلب قال لأصحابه : واللَّه إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت عجز « 6 » ، ألا نضرب في الأرض ، ونبتغى لأنفسنا ؟ فعسى اللَّه أن يرزقنا ماء ببعض البلاد . ارتحلوا ! فارتحلوا حتى إذا فرغوا ، ومن معهم من قبائل قريش ينظرون إليهم ما هم فاعلون ، تقدّم عبد المطَّلب إلى ناقته « 7 » فركبها ، فلمّا انبعثت به انفجرت من تحت خفّها عين [ من « 8 » ] ماء عذب ، فكبّر عبد المطَّلب وكبر أصحابه ، ثم نزل فشرب ، وشرب أصحابه ،

--> « 1 » في سيرة ابن هشام 1 : 152 : « قال : فخرجوا » . « 2 » في ابن هشام : « إلا تبع لرأيك » . « 3 » إضافة عن سيرة ابن هشام 1 : 152 . وفى ابن الأثير 2 : 6 : « حتى يكون آخركم موتا قد وارى الجميع ، فضيعة » . « 4 » مات ضيعة بكسر الضاد : أي غير مفتقد ولا متعهد . « 5 » في سيرة ابن هشام 1 : 152 « فقام كل واحد منهم » . « 6 » في شرح المواهب للزرقاني 1 : 93 : « للموت عجز ، لنضربن في الأرض » ، وفى سيرة ابن هشام 1 : 152 ، وابن الأثير 2 : 6 : « للموت لا نضرب في الأرض ، ولا نبتغي لأنفسنا لعجز » . « 7 » في ابن هشام 1 : 152 : « إلى راحلته » . « 8 » زيادة عن ابن هشام 1 : 152 ، وفى ابن الأثير 2 : 6 : « عين عذبة من ماء » .