النويري

379

نهاية الأرب في فنون الأدب

من الألفة والجماعة وصلاح ذات البين على الإسلام ، بعد ما كان بينهم من العداوة في الجاهلية ، فقال : قد اجتمع ملا بنى قيلة « 1 » بهذه البلاد ، لا واللَّه ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار ؛ فأمر شابا من يهود كان معه أن يجلس معهم « 2 » ، ثم يذكر يوم بعاث « 3 » وما كان قبله ، وأن ينشدهم بعض ما كانوا قالوه من الأشعار يوم بعاث ، وهو يوم اقتتلت فيه الأوس والخزرج ، فكان الظَّفر فيه للأوس ، وكان عليهم يومئذ حضير بن سماك الأشهلىّ ، أبو أسيد بن حضير ، وعلى الخزرج عمرو ابن النعمان البياضىّ ، فقتلا جميعا ، ففعل الشاب ذلك ، فتكلم القوم ، وتنازعوا وتفاخروا ، حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب ؛ أوس بن قيظىّ الأوسىّ ، وجبّار بن صخر الخزرجىّ ، فتقاولا ، ثم قال أحدهما للآخر : إن شئتم رددناها الآن « 4 » جذعة ؛ فغضب الفريقان جميعا ، وقالوا : قد فعلنا ، موعدكم الظاهرة ، وهى الحرّة ، وقالوا : السلاح السلاح ، وخرجوا إليها ، فبلغ ذلك رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين ، فقال : « يا معشر المسلمين ، اللَّه اللَّه ! أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم اللَّه إلى الإسلام وأكرمكم به ، وقطع عنكم به أمر الجاهلية ، واستنقذكم به من الكفر ، وألَّف به بينكم ! » فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان ، وكيد من عدوّهم ، فبكوا ، وعانق بعضهم بعضا ، ثم انصرفوا مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، فأنزل اللَّه تعالى في شأس بن قيس : * ( ( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ الله والله شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ . قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ الله مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وأَنْتُمْ شُهَداءُ ومَا الله بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) ) * « 5 »

--> « 1 » قيلة : هي أم الأوس والخزرج . « 2 » في الأصل : « معه » ، وصوبناه عن ابن هشام ج 2 : 204 . « 3 » يوم بعاث : من أيام العرب ؛ معروف . وسيأتي بعد . « 4 » رددناها الآن جذعة : أي رددنا الآخر إلى أوّله . « 5 » سورة آل عمران 98 ، 99