النويري

336

نهاية الأرب في فنون الأدب

الذي أكره « لا يضره » ، قال فأبيت إلا أن أتبعه فركبت في أثره ، فلما بدا لي القوم ورأيتهم عثر بي فرسى فذهبت يداه في الأرض وسقطت عنه ، ثم انتزع يده من الأرض وتبعهما دخان كالإعصار ، فعرفت حين رأيت ذلك أنه قد منع منّى وأنه ظاهر ، فناديت القوم : أنا سراقة بن جعشم ، أنظرونى أكلَّمكم ، فو اللَّه لا يأتينكم منى شئ تكرهونه ، فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لأبى بكر : « قل له وما تبتغى منا » ؟ فقال لي ذلك أبو بكر ، قلت : تكتب لي كتابا يكون بيني وبينك ، قال : « اكتب له يا أبا بكر » ، فكتب لي كتابا في عظم أو في رقعة أو في خرقة ثم ألقاه إلىّ فأخذته فجعلته في كنانتي ، ثم رجعت فلم أذكر شيئا مما كان ، حتى إذا كان فتح مكة على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، وفرغ من حنين والطائف ، فرحت ومعي الكتاب لألقاه فلقيته بالجعرّانة « 1 » ، فدخلت في كتيبة من خيل الأنصار فجعلوا يقرعوننى بالرماح ويقولون : إليك إليك ماذا تريد ؟ قال : فدنوت من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وهو على ناقته ، واللَّه إني لأنظر إلى ساقه في غرزه « 2 » كأنها جمارة ، فرفعت يدي بالكتاب ثم قلت : يا رسول اللَّه ، هذا كتابك أنا سراقة بن جعشم فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « يوم وفاء وبرّ ، ادنه » ، قال فدنوت منه فأسلمت . واللَّه الهادي للصواب . ومروا على خيمتى أم معبد الخزاعية ، واسم أمّ معبد عاتكة بنت خالد بن منقذ ابن ربيعة ، ويقال : عاتكة بنت خالد بن خليف « 3 » ، وكانت برزة « 4 » جلدة تجلس بفناء

--> « 1 » الجعرانة بكسر الجيم وتشديد الراء : ماء بين مكة والطائف على سبعة أميال من مكة . « 2 » الغرز للرحل : هو كالركاب للسرج ، وفى الدلائل والنهاية : « كأنه جمارة » ، والجمارة : قلب النخلة وشحمتها . « 3 » في الأصل : « خلف » ، وما أثبتناه عن أسد الغابة ، والمواهب . « 4 » البرزة : التي تظهر للناس .