النويري

281

نهاية الأرب في فنون الأدب

وقال ابن إسحاق « 1 » : لما أغروا به سفهاءهم ؛ لجأ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إلى حائط « 2 » لعتبة وشيبة ابني ربيعة ، فجلس في ظل حبلة « 3 » ، وابنا ربيعة ينظران إليه ، ويريان ما لقى من سفهاء أهل الطائف ، فتحركت له رحمتهما ، فدعوا غلاما لهما نصرانيا يقال له عدّاس ، فقالا له : خذ قطفا من هذا العنب فضعه في هذا الطبق ، ثم اذهب إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه ، ففعل عدّاس ، ثم أقبل حتى وضعه بين يديه صلى اللَّه عليه وسلم ، وقال له : كلّ ، فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « بسم اللَّه » فأكل ، فنظر عدّاس إليه ثم قال : واللَّه إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد ، فقال له صلى اللَّه عليه وسلم : « ومن أهل أىّ البلاد أنت يا عدّاس ؟ وما دينك » ؟ . قال : نصرانىّ ، وأنا رجل من أهل نينوى « 4 » ، فقال له : « أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متّى » ؟ فقال عدّاس : وما يدريك ما يونس ؟ قال : « ذاك أخي ، كان نبيا وأنا نبىّ » ، فأقبل عدّاس على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقبّل رأسه وقدميه ويديه ، فقال أحد ابني ربيعة لصاحبه : أمّا غلامك فقد أفسده عليك ، فلما جاءهما عدّاس قالا له : ويلك ! ما لك تقبّل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه ! قال : يا سيدي ، ما في الأرض شئ خير من هذا العبد ، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبىّ ، قالا : ويحك يا عدّاس ! لا يصرفنّك عن دينك ، فإن دينك خير من دينه . قال : ثم انصرف رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم راجعا إلى مكة حين يئس من خير ثقيف ، حتى إذا كان بنخلة « 5 » أتاه جنّ نصيبين « 6 » ، على ما نذكر ذلك إن شاء

--> « 1 » ابن هشام 2 : 61 « 2 » الحائط : البستان إذا كان عليه جدار . « 3 » الحبلة : شجرة العنب . « 4 » نينوى : من قرى الموصل . « 5 » نخلة : محلة ما بين مكة والطائف . « 6 » نصيبين : قاعدة ديار ربيعة .